روايات وقصص

جارتى الجديده لنور محمد

”متقربيش مني!” صرخت فيها وأنا برفع الفأس الصغير في وشها بإيد بترتعش: “أنا شوفتك بعيني في الكاميرا الساعة 5 الصبح! وعارفة إنك بتعمليلي أعمال وسحر أسود عشان تدمريني! أنا هاخد البيض ده كله وأطلع بيه على القسم وأعملك محضر تعدي وسحر وشعوذة وهحبسك أنتِ وجوزك!”

في اللحظة دي.. الابتسامة اللطيفة اللي كانت على وش نجلاء اتمسحت كأنها مكنتش موجودة أصلاً.

ملامحها اتجمدت، عينيها ضاقت وبقت قاسية زي الحجر، ونبرة صوتها اتغيرت 180 درجة، بقت نبرة تخينة، واطية، بتطلع من بين سنانها زي فحيح الأفاعي:

“سحر وشعوذة وقسم؟! هتروحي تقولي للظابط إيه يا مهندسة يا متعلمة؟ جارتي بتدفن بيض في الجنينة بتاعتها وعاملالي عمل؟! هيدخلوكي مستشفى المجانين يا حبيبتي، ومفيش بني آدم على وش الأرض هيصدقك.. وعموماً، خدي البيض ده واجري بيه.. كسريه، احرقيه، ارميه في المجاري.. مش هيفرق في حاجة خلاص.. لأن الوقت فات، والحاجة اللي اتفتحت مبتتقفلش ببيضة مقفولة!”

سكتت لثانية، وبعدين شاورت بإصبعها على البقعة السودا اللي تحت شجرة الليمون وقالت بهمس مرعب:

“السور هيتبني النهاردة.. وأنا قولت للمقاول هيحفر مترين ونص في العمق بطول الخط ده كله.. ولو فكرتي توقفيه أو تفتحي بؤك بحرف واحد، مش شعر بيجامتك بس اللي هيدفن هنا يا ياسمين.. أنتِ نفسك هتكوني تالتهم تحت الأساسات!”

قبل ما ألحق أرد أو أستوعب كلامها، سمعنا صوت كلاكس نقل تقيل بيرن في الشارع، وصوت عربية نقل طوب ورمل بتركن قدام العمارة، وأصوات عمال ورجالة بيزعقوا بصوت عالي:

“يا فتاح يا عليم.. فين المدام اللي عايزة تحفر السور؟!”

نجلاء رجعت لوشها البريء والابتسامة المصطنعة في كسر من الثانية، لفت ضهرها وقالتلي بصوت عالي كأننا كنا بنتكلم عادي:

“يلا عن إذنك بقى يا ياسمين، العمال وصلوا ولازم أقف معاهم عشان يفهموا مكان الحفر بالضبط.. وياريت تدخلي جوا بيتك عشان التراب ميعفرش هدومك!”

مشيت وسابتني..

أنا دخلت شقتي بسرعة، قفلت الباب الحديد بالمفتاح وتربست الخشب، وسندت ضهري على الباب والطبق في إيدي، ودموع الرعب نزلت شلال على وشي.

كلامها الأخير كان بيرن في عقلي كأنه طلقات رصاص:

“الحاجة اللي اتفتحت مبتتقفلش… مش شعر بيجامتك بس اللي هيدفن هنا.. أنتِ نفسك هتكوني تالتهم تحت الأساسات!”

تالتهم؟! يعني إيه تالتهم؟! مين الاتنين التانيين؟!

دخلت المطبخ وحطيت طبق البيض على الرخامة.

إيديا كانت بتنتفض، بس فضولي وجنوني خلوني مقدرش أسكت. أنا لازم أعرف إيه اللي جوا البيض ده قبل ما أتصرف.

جبت جردل بلاستيك، ومسكت بيضة من الستة اللي طلعتهم، البيضة اللي عليها الختم الشمع الأسود. مسكت سكينة حامية وشلت طبقة الشمع عن الخرم الصغير، وبعدين نزلت السكينة وشقيت البيضة نصين فوق الجردل.

اللي نزل منها صدمني صدمة خلتني أرجع لورا وأكتم بقي بإيدي عشان مأرجعش!

مفيش زلال ولا صفار.. البيضة كانت محشية تراب قبر لونه رمادي وبودرة بيضا زي الجير، وجوا التراب كان في قطعة عضم صغيرة بطول عقلة الإصبع.. عظمة بشرية مكسورة! وملفوف حواليها خيط أسود مشبوك فيه حتة نحاسة صغيرة محفور عليها حروف لاتينية وأرقام تواريخ: “1994 – 2024”!

4

جارتى الجديده لنور محمد

كسرت البيضة التانية بسرعة وجنون.. نزل منها نفس التراب، ومعاه ضفرين بشريين وقطعة شاش طبي قديمة مليانة بقع دم ناشفة!

كسرت التالتة.. نزل منها ورقة كربون رفيعة جداً، مفرودة ومدهونة بمادة زيتية.. لما مسكتها بإيدي وقريت اللي مكتوب فيها، حسيت إن روحي بتتسحب مني!

الورقة كانت عقد بيع قديم.. عقد بيع الشقة اللي ساكنة فيها نجلاء وجوزها!

والبائع كان: “منصور عبد التواب” (الراجل العجوز اللي كان عايش هنا واختفى فجأة من ست شهور وقالوا إنه سافر بلده يبيع أراضيه)!

بس التاريخ اللي كان مكتوب في الورقة مكنش من ست شهور.. التاريخ كان من تلات أسابيع بس، ومكان توقيع منصور مكنش توقيع.. كان بصمة إبهام ممسوحة ومحروقة بالنار!

قعدت على أرض المطبخ وسط العضم والقشر والورق، والأحجية بدأت تتجمع في دماغي بأبشع صورة ممكن يتخيلها عقل بشري.

الموضوع مكنش سحر عادي.. السحر والطلاسم دول كانوا مجرد “طقوس” وتغطية على جريمة مدفونة!

الراجل العجوز منصور ممسافرشف الصعيد.. منصور مدفون في الجنينة!

ونجلاء وجوزها مش سكان عاديين.. دول عصابة أو مجرمين جم عشان يطلعوا حاجة مدفونة، أو عشان يدفنوا الجثة تحت السور الجديد الخرساني للأبد!

والبيض ده.. البيض ده كان طقس سحر أسود بيسموه “ربط الأرض” أو “تثبيت الجثة”، عشان روح الميت متظهرش، وعشان يربطوا البيت بصاحبته ويمنعوا أي حد يحس أو يشوف!

صوت الهيلتي وتكسير الأرض برة في الجنينة قطع حبل أفكاري.

جريت على شباك الصالة، رفعت حتة من الستارة وبصيت بحذر.

العمال كانوا أربعة، ماسكين فؤوس ومعدات تكسير، ومعاهم المقاول.

ونجلاء كانت واقفة لابسة نضارة شمس شمسية سودا، وجنبها واقف جوزها!

جوزها.. الراجل اللي بقالهم شهرين ساكنين ومشفتهوش غير مرتين تلاتة بالكتير في الضلمة، وكان دايماً لابس كاب وموطي راسه ومبينطقش ولا كلمة.

المرة دي كان واقف في وضح النهار.. راجل طويل، رفيع جداً لدرجة مرعبة، وشه باهت وشاحب زي الموتى، وعينه اليمين كانت مطفية ومبيضة تماماً كأنه أعمى فيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى