روايات وقصص

مرات أبويا

فيه مستند واحد لسه محتاج أوصل له، لأنه ممكن يوضح مين كان مسؤول عن إدارة الحساب وقت حدوث الاختلافات.

وتحت الجملة، كان فيه اسم مكتب قانوني ورقم ملف.

خال ماما قال إن المكتب ده أكد إن عنده نسخة من المستند المطلوب، لكن محتاجين موعد عشان يراجعوه رسميًا.

لأول مرة، حسيت إننا قربنا نعرف الحقيقة فعلًا.

لكن في نفس اللحظة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.

مرات أبويا رجعت من شغلها.

دخلت الصالة، وشافت الظرف مفتوح على الترابيزة، وخطاب أبويا في إيد خال ماما.

وقفت مكانها.

وبعدين قالت بصوت منخفض

إنتوا جبتوا الورق ده منين؟

خال ماما رد بهدوء من مكتب الأستاذ فؤاد. إحنا بنراجع المستندات اللي تخص حقوق الولاد.

مرات أبويا بصت للخطاب، وبعدها بصت لي أنا وأخويا.

قالت بعصبية يعني إنتوا مش هتسيبوا الموضوع ده يقفل؟!

أنا كنت خايفة، لكن المرة دي مقررتش أسكت.

قلت لها إحنا مش بنعمل حاجة غير إننا بنحاول نعرف حقنا. ماما تعبت في الفلوس دي، وبابا نفسه كان بيحاول يفهم اللي حصل.

ردت بسرعة أبوكم كان عنده مشاكل كتير، وإنتوا مش فاهمين أي حاجة عن الحسابات دي!

خال ماما قال وعشان كده إحنا مش بنتهم حد. إحنا بنراجع الأوراق عن طريق محامي، وكل حاجة هتتحسم بالقانون.

مرات أبويا سكتت، لكن نظرتها اتغيرت لما خال ماما ذكر اسم المكتب القانوني الموجود في خطاب أبويا.

همست المكتب ده لسه محتفظ بالمستندات؟

خال ماما رد أيوه.

في اللحظة دي، ملامحها اتبدلت تمامًا.

حاولت تتكلم، لكن الكلمات خرجت متقطعة

إنتوا… إنتوا لازم تفهموا إن فيه حاجات حصلت وقتها محدش كان يقصد إنها توصل لكده.

بصيت لها وقلتلها يعني إيه؟ إنتِ تعرفي حاجة عن المستند ده؟

مرات أبويا نزلت عينيها، وفضلت ساكتة فترة طويلة.

وبعدين قالت

أنا هحكيلكم اللي أعرفه، بس بشرط إنكم تسمعوني للآخر، ومتفتكروش إن كل اللي حصل كان زي ما إنتوا متخيلين.

أخويا وقف جنبّي، وقال بحزم هنسمعك، بس مش معنى كده إننا هنتنازل عن حقنا.

مرات أبويا بصت له، وبعدها رجعت بصت للظرف.

وقالت جملة خلت خال ماما يقوم من مكانه فورًا

أنا مكنتش الشخص اللي بدأ موضوع الفلوس… أنا عرفت بالحقيقة بعد ما التحويل حصل، ولما حاولت أتكلم، الشخص اللي كان مسؤول عن الحساب هدّدني إنه يورّطني معاه!

سكتت الصالة كلها.

سألتها وأنا مش مصدقة

مين الشخص ده؟

مرات أبويا فتحت بقها عشان تجاوب، لكن موبايلها رن فجأة.

بصت للشاشة، واتجمدت مكانها.

الاسم اللي ظهر على الموبايل كان نفس الاسم اللي موجود في المستندات!

سامح!

ردت المكالمة بإيد بتترعش، وسمعنا صوت سامح من الناحية التانية بيقول

إنتِ قلتي لهم إيه؟ لازم نتقابل قبل ما يروحوا مكتب المحامي بكرة، لأن فيه ورقة تانية لو ظهرت، كل حاجة هتتقلب!

مرات أبويا قفلت المكالمة من غير ما ترد.

وبصت لنا، ووشها شاحب.

لكن السؤال اللي فضل معلق في دماغي كان أصعب من أي سؤال فات

إيه الورقة التانية اللي سامح خايف إنها تظهر؟ وهل هتثبت إن مرات أبويا كانت بتحاول تخبي الحقيقة، ولا هتكشف إن فيه شخص تاني كان بيدير كل حاجة من وراها؟

يتبع…

النهاية فستان ماما كشف الحقيقة اللي الكل كان بيخبيها!

مرات أبويا فضلت واقفة في نص الصالة، ماسكة موبايلها بإيد بتترعش، وأنا وأخويا وخال ماما باصين لها ومستنيين نعرف الحقيقة.

خال ماما قال بحزم

كفاية أسرار! بكرة هنروح لمكتب المحامي، وكل واحد هيقول اللي عنده قدام القانون.

مرات أبويا قعدت على الكنبة، وحطت وشها بين إيديها، وبعد شوية بدأت تتكلم.

قالت إن سامح، ابن خالها، كان بيساعد في متابعة بعض الحسابات المالية، وإنها بعد وفاة أبويا عرفت إن فيه تحويل حصل من الحساب اللي كانت ماما محوشة فيه فلوسنا.

في البداية، صدقت كلام سامح لما قال لها إن الإجراءات قانونية، وإن المبلغ ممكن يتصرف فيه لتغطية مصاريف البيت والالتزامات المتراكمة.

لكن لما طلبنا منها الفلوس، هي اختارت إنها تسكت بدل ما تواجه الحقيقة، وكانت عارفة إننا مش هنقدر نثبت حاجة بسهولة من غير المستندات الأصلية.

بصيت لها بصدمة وقلت

يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه فلوس ماما، ومع ذلك لما طلبت منك مبلغ صغير عشان فستان التخرج، قولتيلي إنها بقت بتاعة البيت؟!

نزلت عينيها وقالت

أنا غلطت. كنت خايفة أخسر الفلوس اللي اتصرفت، وخايفة الموضوع يكشف حاجات تانية. بس أنا مكنتش عارفة إن سامح غيّر في الأوراق.

رديت عليها والدموع في عيني

حتى لو مكنتيش إنتِ اللي عملتي التحويل، إنتِ كنتِ تقدري تقولي الحقيقة بدل ما تكسري قلبي وتخليني أحس إن ماما ملهاش قيمة عندك!

مرات أبويا ماردتش.

ولأول مرة، ملقتش أي حجة تدافع بيها عن نفسها.

تاني يوم، رحنا لمكتب المحامي ومعانا خال ماما والأستاذ فؤاد.

هناك، ظهرت الورقة اللي سامح كان خايف منها.

كانت نسخة من طلب التحويل الأصلي، ومعاها سجل يوضح مين قدّم الطلب ومين وافق عليه. وبعد مراجعة المستندات والتحقق من التوقيعات، اتضح إن سامح استخدم بيانات غير صحيحة في الإجراءات، وإن مرات أبويا كانت على علم بوجود مشكلة في التحويل، لكنها لم تُبلغ عنها في الوقت المناسب.

أما التوقيع اللي كان منسوبًا لسامح، فاحتاج لفحص متخصص قبل ما يتم تأكيد تزويره رسميًا.

المحامي وضّح لنا إن استرداد الأموال مش هيحصل بمجرد اكتشاف المخالفات، وإن الموضوع محتاج إجراءات قانونية ومحاسبية، خصوصًا إن جزءًا من المبلغ كان اتصرف بالفعل.

سامح حاول في البداية ينكر مسؤوليته، لكنه لما واجهوه بالمستندات والسجلات، وافق يتعاون مع التحقيق، وقدّم معلومات عن المبالغ اللي اتنقلت والجهات اللي استقبلتها.

وبعد مراجعة الحسابات واتخاذ الإجراءات القانونية، اتثبت حقنا في استرداد المبلغ المخصص لينا، ورجع جزء كبير منه في البداية، وبعدها اكتملت التسوية واسترددنا باقي المبلغ المستحق وفقًا لما انتهت إليه الإجراءات.

لكن الحقيقة اللي وجعتني أكتر من ضياع الفلوس كانت إن أبويا اكتشف وجود مشكلة قبل وفاته، وكان بيحاول يصلحها، لكنه مات قبل ما يقدر يكمل.

احتفظت بخطابه في درج خاص، جنب جواب ماما.

وبقيت كل ما أشتاق لهم، أقرأ كلامهم وأفتكر إنهم كانوا بيفكروا في مستقبلنا حتى في أصعب الظروف.

أما أخويا، فكانت حكايته لسه بتبدأ!

بعد ما مدير المدرسة أعلن ترشيحه في مسابقة التصميم، قدر يدخل برنامج تدريبي لتعليم الخياطة وتصميم الملابس، وبدأ يتعلم على إيد متخصصين.

كان بيصحى بدري عشان المدرسة، ويرجع يذاكر، وبعدها يقعد يشتغل على تصميماته.

وفي أول معرض شارك فيه، عرض فستان ماما اللي عملهولي.

كتب تحت الفستان بطاقة صغيرة

التصميم ده معمول من ملابس أمي الراحلة. عملته عشان أختي تحس إن أمي معاها في يوم تخرجها، ولأن الذكريات الغالية ممكن تتحول لحاجة جميلة مهما كانت الظروف.

لما قرأت البطاقة، عيطت قدام الناس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى