روايات وقصص

سر اليد الملفوفة

ابنهم كان راقد على السرير، والتلفزيون شغال قدامه، وإيده اليمين مقفولة بقوة على جهاز التحكم.

الشاب كان بيتابع محتوى سيئ، وغاب وهو بيشاهد حاجة من الحاجات الخاطئة دي، وكان فاكر إن قفل الباب هيخلي محدش يشوفه.

نسي إن فيه عين عمرها ما بتغفل عنه، وإن ربنا سبحانه وتعالى مطّلع على السر والعلن.

حاول الأب وأخوه يفتحوا إيده ويخرجوا قطعة الريموت، لكن قبضته كانت شديدة جدًا، ومقدروش يطلعوها.

جابوا منشار حديد صغير، وحاولوا ينشروا الجزء الظاهر من القطعة علشان يقدروا يخرجوا الباقي، لكنهم ما نجحوش، وكل اللي حصل إن إيده اتأذت من فوق وتحت، وفضل جزء من الريموت محبوس بين صوابعه.

ولما سألته عن سبب إصراره إننا ما نفكش الشاش، فهمت إنه كان بيحاول يخفي علامات اللي حصل عن أي حد يشوف ابنه بعد غيابه.

سكت الأب، وكان واضح إن الكلام تقيل عليه، وأنا كمان مقدرتش أتكلم.

لكن اللي حصل بعد ما خلصت مهمة الشاب كان أصعب من كل اللي فات.

بصيت للأب وقلت له:

ـ خلاص يا أخي، أنهينا مهمة ابنك، يلا نحمله ونروح نصلي عليه بعد صلاة الفجر.

فاجأني برده وقال:

ـ لا يا شيخ، أنا مش عايز أصلي عليه دلوقتي!

بصيت له باستغراب وقلت:

ـ ليه يا أخي؟ ده ابنك، وحقه علينا ندعيله ونصلي عليه.

قال لي بصوت مكسور:

ـ كفاية يا شيخ، ابني فضحنا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟

الجملة دي وجعت قلبي، مش عارف أواسيه ولا أرد عليه.

قلت له:

ـ يا أخي، اتقِ الله، إحنا ما نعرفش ربنا هيعامله إزاي، ومحدش فينا يقدر يحكم على مصير حد. يمكن يكون له عند ربنا باب رحمة إحنا ما نعرفوش عنه حاجة. ده ابنك، ادعيله بالرحمة والمغفرة، ومتمنعش عنه دعاء المسلمين.

وقلت له إننا ممكن نروح المسجد، ويمكن يكون فيه مصلّي قلبه حاضر يرفع إيده ويدعي لابنه دعوة صادقة تكون سببًا في رحمة ربنا بيه.

لكن الأب كان رافض، وعمه وأخوه كانوا ساكتين، وكأنهم متفقين معاه.

حاولت أقنعه أكتر من مرة، لكن من غير فايدة.

خرجت من البيت وأنا تعبان ومهموم، مش قادر أنسى منظر الشاب وهو على المكان المخصص، ولا منظر أبوه وهو بيحاول يخفي إيده، ولا الأم وهي بتترجاني أستر على ابنها.

وبعد شوية لحقني الأب وقال لي:

ـ خلاص يا شيخ، هنصلي عليه، بس مش بعد صلاة الفجر.

قلت له إني مش هقدر أأخر الصلاة عليه بالطريقة دي، وإنهم لو مصممين يأجلوا، فممكن نصلي عليه وقت الظهر.

تركتهم ومشيت، وفي الصبح، حوالي الساعة التاسعة، حملوا الجسد وحطوه في عربية جيمس، وراحوا بيه المكان.

صلوا عليه هناك مع بعض الموجودين والعاملين في المكان، وبعدها أتموا.

وأُتم للشاب وهو لسه قابض على بقايا قطعة الريموت في إيده، بعد ما عجزوا عن إخراجها.

فضلت الحكاية دي في قلبي، وكل ما افتكرتها كنت بسأل نفسي: يا ترى لو الشاب ده كان يعرف إن دي آخر ليلة في عمره، كان هيختار يقضيها بالشكل ده؟

يا ترى لو الأب والأم كانوا يعرفوا إن ابنهم هيغيب في الليلة دي، كانوا هيعملوا إيه؟ كانوا هيطلبوا منه يقعد معاهم شوية؟ كانوا هينصحوه؟ كانوا هيفضلوا جنبه لحد ما ينام؟

لكن الحقيقة اللي لازم كلنا نفتكرها إن الغياب مش بيستأذن حد، ومش بيقول لنا استعدوا، ولا بيدينا فرصة نرتب آخر لحظاتنا.

يا أخي، ويا أختي… صابرين محمد

مش كل حاجة بنعملها في الخفاء بتكون بعيدة عن الحساب، ومش معنى إن باب الأوضة مقفول إننا بقينا في أمان من نظر ربنا.

إحنا ساعات بنخاف إن الناس تعرف أخطاءنا، وبننسى إن الأهم من خوفنا من كلام الناس هو خوفنا من الوقوف بين إيدين ربنا.

ولو وقعت في ذنب، ما تستسلمش، وما تقولش خلاص أنا بقيت بعيد عن ربنا. ارجع له، واستغفره، وجاهد نفسك، واقفل الباب اللي بيدخلك للمعصية، قبل ما ييجي يوم تتمنى فيه ترجع دقيقة واحدة بس علشان تعمل طاعة كنت مأجلها.

ومتستناش لما تكبر، ولا لما تفضى، ولا لما ظروفك تتحسن… محدش ضامن عمره.

والأهم من ده كله، ما تحكمش على شاب غاب، ولا تتعامل مع ذنوبه كأنك عارف نهايته عند ربنا. إحنا بنخاف من سوء الخاتمة، لكن بنرجو رحمة ربنا لكل عاصٍ تاب أو لم نعلم حاله، فباب رحمته أوسع من ظنوننا.

اللهم استر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وتب علينا قبل الغياب، وارزقنا توبة صادقة لا نرجع بعدها للمعصية، وثبّتنا عند السؤال، وارزقنا حسن الخاتمة.

اللهم لا تقبض أرواحنا إلا وأنت راضٍ عنا، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. صابرين_محمد

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى