روايات وقصص

مفاجاه غير متوقعه حكايات اسما

— أحمد؟
— حصل نزيف أثناء الجراحة.
رجلي ضعفت.
أكمل بسرعة:
— سيطروا عليه.
حطيت إيدي على صدري.
— يعني هو عايش؟
— أيوه.
عيطت.
لكن محمود ما ابتسمش.
قال:
— الساعات الجاية مهمة جدًا.
دخل أحمد العناية المركزة.
عدى يوم.
ثم يوم تاني.
وفي اليوم الثالث…
فتح عينه.
كنت قاعدة جنبه.
لقيت صوابعه بتتحرك.
قربت.
فتح عينه بصعوبة.
همست:
— أحمد؟
بصلي.
حاول يتكلم.
قربت ودني.
قال بصوت ضعيف جدًا:
— الحنفية…
ضحكت وأنا بعيط.
— إيه؟
كرر:
— ماتصلحتش.
ضحكت أكتر.
وقلت:
— يا أحمد، قوم بس وأنا أجيب سباك يصلح العمارة كلها.
ابتسم.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن الراجل اللي دخل غرفة العمليات مش هو نفسه اللي خرج منها.
ولا أنا كنت نفس الست.
إحنا الاتنين اتغيرنا.
لكن المعركة ماكنتش خلصت.
لأن نتيجة العينة اللي اتاخدت أثناء العملية وصلت بعد خمسة أيام.
والدكتور محمود طلب يقابلنا إحنا الاتنين.
دخلنا مكتبه.
حط الملف قدامه.
وقال:
— عندي خبرين.
مسكت إيد أحمد.
محمود قال:
— قدرنا نستأصل الجزء الأكبر جدًا من الورم.
أغمضت عيني من الراحة.
لكنه أكمل:
— لكن لسه محتاجين علاج ومتابعة طويلة. ومحدش يقدر يقول دلوقتي إن الموضوع انتهى.
أحمد بصلي.
قلت له:
— سمعت؟
قال:
— سمعت.
قلت:
— يعني هنكمل.
ضغط على إيدي.
— هنكمل.

الفصل الخامس والأخير: بعد سنة

عدت سنة.
سنة كاملة.
وفي صباح يوم تلات برضه…
صحيت على صوت في المطبخ.
خرجت.
لقيت أحمد واقف قدام الفرن.
قلت:
— بتعمل إيه؟
اتخض.
— ارجعي نامي.
بصيت على الرخامة.
دقيق في كل مكان.
تفاح مقطع بطريقة كارثية.
وكتاب وصفات مفتوح.
قلت:
— إيه المصيبة دي؟
قال بمنتهى الجدية:
— فطيرة تفاح.
ضحكت.
— دي؟
— ماتحكميش قبل ما تدوقي.
أحمد ما رجعش لحياته القديمة بالكامل.
ويمكن عمره ما يرجع لها.
لسه بيروح المستشفى للمتابعة.
ولسه بياخد علاجه.
ولسه في أيام بيصحى فيها مرهق.
وفي أيام الخوف بيرجع يقعد بينا من غير استئذان.
لكن حاجة واحدة اتغيرت.
مبقاش بيواجهه لوحده.
وأنا كمان اتغيرت.
فرصة السفر؟
ما سافرتش وقتها.
لكن مش لأن أحمد طلب مني أفضل.
بالعكس.
هو كان أول واحد قال لي:
— لو رفضتي علشاني، هزعل منك.
طلبت تأجيل الفرصة.
وبعد شهور، اتفتح لي فرع من البرنامج أقدر أشارك فيه عن بُعد وجزء منه بسفر قصير.
وقبلت.
لأن المرة دي…
القرار كان قراري.
أما مريم…
ففي حفلة المدرسة اللي بعدها، فضلت تبص ناحية الباب طول الوقت.
ولما بدأ عرض فصلها…
الباب اتفتح.
دخل أحمد.
كان لابس كمامة لأن مناعته وقتها كانت ضعيفة.
وكان أرفع بكتير من زمان.
لكن مريم شافته.
وهي واقفة على المسرح.
ابتسامتها اتغيرت.
وأحمد رفع لها إبهامه من بعيد.
وأنا كنت قاعد في الصف الأول أبكي.
مش لأن كل حاجة بقت مثالية.
لكن لأننا بقينا نعرف قيمة الحاجات اللي كنا بنعتبرها عادية.
عشا سوا.
مشوار مدرسة.
كوباية شاي في البلكونة.
خناقة سخيفة على الريموت.
وصوت مفتاحه في الباب.
بعد الحفلة رجعنا البيت.
مريم نامت.
وأنا وأحمد قعدنا في البلكونة.
قال لي:
— تعرفي أكتر حاجة ندمت عليها؟
قلت:
— إنك خبيت المرض؟
— لأ.
بصيت له باستغراب.
قال:
— إني افتكرت إن القوة معناها إني أشيل كل حاجة لوحدي.
وسكت لحظة.
— وإني نسيت إن الجواز أصلًا معمول علشان لما واحد فينا رجله ماتشيلوش… التاني يسنده.
مسكت إيده.
قلت:
— بس فيه حاجة لسه مضايقاني.
اتخض.
— إيه؟
قلت:
— فطيرة التفاح بتاعتك وحشة جدًا.
ضحك بصوت عالي.
— مريم أكلت منها قطعتين!
— مريم بتحبك، دي مش شهادة جودة.
فضل يضحك.
وأنا بصيت له.
للراجل اللي من سنة كنت فاكرة إنه بيختار المستشفى علينا.
وماكنتش أعرف إنه كان كل يوم يدخل نفس المستشفى علشان يحارب عشان يرجع لنا.
ماكنتش أعرف إن الليالي اللي غابها عن البيت…
ماكنتش لأنه نسي عيلته.
كان لأنه كان مرعوب من اليوم اللي يضطر يسيبها فيه.
ومرت شهور أخرى.
وفي آخر متابعة قبل ذكرى جوازنا الـ12، قعدنا قدام الدكتور محمود.
فتح نتيجة الفحوصات.
قرأها مرتين.
أحمد قال بتوتر:
— مالك؟
محمود رفع عينه.
وابتسم.
وقال:
— النتائج الحالية مطمئنة جدًا، وهنكمل المتابعة زي ما اتفقنا.
ماكانتش جملة بتضمن المستقبل.
ولا إحنا طلبنا ضمان.
بصينا لبعض.
وفهمنا.
خرجنا من المستشفى.
نفس المستشفى اللي دخلتها قبل سنة بعلبة أكل وأنا فاكرة إني جاية أفاجئ جوزي.
وقفت عند الباب.
أحمد قال:
— سرحانة في إيه؟
قلت:
— فاكر اليوم اللي جيتلك فيه هنا؟
ضحك.
— للأسف.
— أنا كنت جايبالك فطيرة تفاح.
— عارف.
— وضاعت بسبّبك.
قال:
— طب أعوضهالك.
ركبنا العربية.
وبدل ما نرجع البيت…
روحنا خدنا مريم من المدرسة بدري.
قالت وهي داخلة العربية:
— إحنا رايحين فين؟
أحمد بصلي.
وأنا بصيت له.
وقال:
— نحتفل.
سألت مريم:
— بإيه؟
رد أحمد:
— إننا مع بعض.
وبس.
ما احتجناش سبب أكبر من كده.
لأن السنة اللي فاتت علمتني إن الحب مش إنك تخبي وجعك علشان اللي بتحبه مايتألمش.
الحب إنك تثق فيه كفاية علشان تسمح له يقف جنبك وقت الوجع.
وإن الحياة مش بتبدأ بعد ما الخوف يخلص…
إحنا بنعيشها والخوف موجود.
وفي الليلة دي، وإحنا قاعدين حوالين السفرة، مريم بتضحك وأحمد بيحاول يقنعنا إن فطيرة التفاح اللي اشتراها أحسن من اللي كنت بعملها…
بصيت لجوزي.
والمرة دي…
ماكانش دكتور المستشفى.
ولا المريض اللي في الغرفة 612.
ولا الراجل اللي حاول يواجه مرضه بعيد عننا.
كان أحمد وبس.
جوزي.
وأبو بنتي.
والراجل اللي أخيرًا فهم إن البيت مش المكان اللي لازم يرجع له بعد ما يخلص معركته…
البيت هو المكان اللي كان المفروض ياخد أهله معاه منه للمعركة من البداية.

تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى