
أما المنزل الذي وقعت فيه الأحداث، فقد احترق عام 1852 في ظروف مريبة. ويرجّح النص احتمال أن يكون الحريق قد أُشعل عمدًا على يد أشخاص مستعبدين كانوا على وشك البيع والتفريق عن بعضهم بعضًا، مع تصفية ممتلكات المزرعة.
واليوم، لم يتبقَّ من المكان سوى أحجار أساس متداعية غطتها النباتات. ولا توجد أي علامة تشير إلى موقعه؛ فقد نُسي تمامًا، باستثناء الباحثين في التاريخ الذين يعرفون ما ينبغي البحث عنه في سجلات المقاطعة. ويتحدث بعض السكان المحليين أحيانًا عن مزرعة قديمة انتهت نهاية مأساوية، لكن القليل منهم يعرف التفاصيل المحددة لما وقع هناك.
كلمات روث الأخيرة عن سيليا
يقدم دفتر يوميات روث، الذي اكتُشف عام 1923 أثناء أعمال ترميم في المبنى الذي كان يضم مساكن المستعبدين، خاتمة مناسبة لقصة سيليا وللخيار المستحيل الذي واجهته.
ففي آخر ملاحظة لها بشأن القضية، والمؤرخة في يناير عام 1847، كتبت روث:
«سيسمونها مرتكبة، وربما كانت كذلك، لكنها كانت أولًا ضحية أُجبرت على ظروف لا ينبغي لأي إنسان أن يتحملها.
لقد اختارت المقاومة بالطريقة الوحيدة المتاحة لها، مستخدمةً المعرفة التي اكتسبتها والصبر الذي طوّرته».
وتابعت:
«مات تسعة أشخاص لأن فتاة واحدة رفضت أن تواصل الموت ببطء هي نفسها.
سيحكم الله إن كان اختيارها صائبًا أم لا، لكنني لا أستطيع أن أحمل نفسي على إدانتها.
لقد فعلت ما شعرت بأنها مضطرة إلى فعله كي تتحرر، ونحن في هذا البلد نطلق لقب الأبطال على الذين يقاتلون من أجل الحرية، إلا إذا كانوا مستعبدين يقاتلون أسيادهم».
الوثائق الأخرى التي تناولت القضية
ظهرت قضية عائلة هاموند أيضًا في عدد من الوثائق التي تعود إلى تلك الحقبة، إلى جانب السجلات القانونية الرسمية.
فقد نشرت إحدى صحف تشارلستون في يناير عام 1847 خبرًا مقتضبًا عن مرض مأساوي أصاب عائلة بارزة، لكنها لم تذكر إحداث الضرر أو الوفاة.
سيليا
ويعكس هذا الأسلوب الحذر رغبة السلطات المحلية في منع الذعر بين طبقة أصحاب المزارع، وتجنب نشر أفكار قد تلهم المستعبدين لمقاومة مضطهديهم.
أما الرسائل الخاصة واليوميات التي احتفظت بها عائلات أخرى من أصحاب المزارع، والتي اكتشفها المؤرخون في أرشيفات مختلفة، فقد كانت أكثر كشفًا.
ففي رسالة كتبتها سارة ميدلتون، زوجة أحد أصحاب المزارع في مقاطعة مجاورة، إلى شقيقتها في فبراير عام 1847، وصفت مأساة هاموند بلغة مشفّرة.
وجاء في الرسالة:
«لقد وصلتنا أخبار مقلقة من مقاطعة تشارلستون.
هل تتذكرين عائلة هاموند، تلك العائلة الثرية والنافذة؟ لقد تعرضت لمأساة رهيبة خلال عطلة عيد الميلاد.
أصاب مرض غامض العائلة بأكملها تقريبًا، وأدى إلى وفاة عدد من أفرادها.
لا يتحدث أحد عن الظروف المحيطة بالحادثة، لكن الهمسات تشير إلى أن الأمر لم يكن مرضًا طبيعيًا.
أعترف لك يا مارثا بأن هذه الأخبار جعلتني أشعر بالقلق.
لقد وجدت نفسي أراقب خدمنا بعناية أكبر، وأتساءل عما يدور في أذهانهم خلف تعابير وجوههم الهادئة. نحب أن نعتقد أنهم يتقبلون مكانتهم، لكن ماذا لو كنا مخطئين؟ ماذا لو كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة فحسب؟
»
تعكس هذه الرسالة الأثر النفسي الذي خلّفته أفعال سيليا في طبقة أصحاب المزارع؛ فقد زرعت بذرة الشك بشأن ما إذا كان النظام الذي استفادوا منه قادرًا حقًا على الاستمرار إلى الأبد.
وتكشف هذه القصة أن أهوال التاريخ الأمريكي كثيرًا ما تُدفن في الأرشيفات والسجلات المنسية، وتظل تنتظر من يعيد اكتشافها.
كما تكشف قضية مزرعة هاموند ليس فقط عن وحشية نظام الاستعباد، بل أيضًا عن شجاعة الأشخاص الذين قاوموه وذكائهم، حتى عندما تكبدوا أثمانًا شخصية باهظة.
وتجبرنا قصة سيليا على مواجهة أسئلة غير مريحة تتعلق بالعدالة والانتقام ورد فعل الإنسان تجاه الاضطهاد المنهجي.
لقد كانت في الوقت نفسه ضحية ومرتكبة لفعل خطير؛ إنسانة عانت إساءات لا يمكن تصورها، ثم تسببت في معاناة شديدة للآخرين.
كان الأطفال الذين ماتوا نتيجة أفعالها أبرياء من الاضطهاد الذي تعرضت له، لكنهم كانوا أيضًا جزءًا من نظام أنكر إنسانيتها منذ البداية.
ولا توجد إجابات سهلة في هذه القصة، كما لا توجد شخصيات يمكن تصنيفها بوضوح إلى أبطال وأشرار إذا نظرنا بصدق إلى تعقيد الظروف.
ما يمكن قوله هو أن سيليا رفضت قبول العجز المطلق.
فقد راقبت آسريها، وتعلمت نقاط ضعفهم، وخططت بعناية، ونفذت فعلها الانتقامي بدقة مدمرة.
وسواء رأينا أفعالها مبررة أم وحشية، فإن حكمنا عليها يكشف عن قيمنا نحن وفهمنا للظروف القصوى، بقدر ما يكشف عن شخصيتها.
تقدم السجلات التاريخية وقائع ما حدث خلال تلك الأيام الرهيبة في ديسمبر عام 1846، لكنها لا تستطيع نقل الحقيقة العاطفية الكاملة لتجربة سيليا.
يمكننا قراءة الإفادات وفحص الأدلة المادية، لكننا لا نستطيع أن نعرف حقًا كيف كان شعورها؛ كيف كان أن تكون فتاة في السادسة عشرة تُباع في مزاد، وتُجبر على زواج صوري، وتفقد حملين في ظروف قاسية، وتعيش كل يوم بوصفها ملكية لشخص آخر، دون أي أمل في إنصاف قانوني أو سبيل إلى الهرب.
ولا يسعنا إلا أن نتخيل حجم اليأس الذي قد يدفع إنسانًا إلى الاعتقاد بأن وفاة تسعة أشخاص، من بينهم أطفال، أفضل من الاستمرار في الحياة على النحو الذي فُرض عليه.
ما رأيك في هذه القصة؟
هل تعتقد أن سيليا كانت محقة في أفعالها؟ أم ترى أن إزهاق أرواح الأبرياء لا يمكن تبريره مهما كانت الظروف؟
وهل تعتقد أنها وصلت إلى كندا وعاشت بقية حياتها باسم سيسيليا هاريس، أم أنها ماتت أثناء محاولة الهرب؟
اكتب رأيك في التعليقات بشأن هذا الفصل المثير للقلق من التاريخ الأمريكي.
إذا استمتعت بهذه الحكاية وترغب في المزيد من الألغاز التاريخية المشابهة، فاشترك في القناة، واضغط على جرس الإشعارات، وشارك الفيديو مع شخص يهتم بالجوانب المعقدة والمظلمة من ماضينا.
وحتى نلتقي في المرة القادمة، تذكّر أن التاريخ ليس دائمًا بالبساطة التي نحب أن نتصورها.
وأن الأشخاص الذين عاشوا تلك الأزمنة الرهيبة اضطروا إلى اتخاذ خيارات مستحيلة، يصعب علينا فهمها ونحن ننظر إلى الماضي من مسافة آمنة ومريحة.




