روايات وقصص

جوزي و بنتنا

الليلة دي كان فيه ضغط كبير في المستشفى، وكان فيه طفلين اتولدوا في وقت قريب جدًا من بعض. حصل ارتباك في تسجيل بعض البيانات، وبعدها اتطلب مني أراجع سجل الولادات وأصحح الأخطاء.

سألتها بسرعة

مين اللي طلب منك كده؟

نوال سكتت شوية، وبعدين ردت

شخص من عيلتك.

حسيت إن نفسي اتقطع.

مين؟

بصت لي مباشرة وقالت

والدتك.

رجعت بظهري لورا، مش قادرة أصدق.

أمي؟ الست اللي ربتني، واللي كنت بروح لها كل ما الدنيا تضيق بيا؟

نوال كملت

أنا مش هقدر أقول إن والدتك غيّرت البيانات عمدًا قبل ما نراجع المستندات الأصلية. لكن اللي أقدر أقوله إن فيه ورقة اتعدلت بعد الولادة، والتعديل ده ماكانش عليه التوقيع المطلوب.

سألتها

والورقة دي تخص مين؟

فتحت صفحة تانية، وحطتها قدامي.

كان مكتوب فيها اسم أختي سارة، وتاريخ ميلاد طفلة، وتحت البيانات ملاحظة قصيرة بخط اليد.

قريت الملاحظة مرتين، وبعدها رفعت عيني لنوال.

يعني إيه تم نقل الملف بناءً على طلب الأسرة؟

نوال أخدت نفس طويل.

دي النقطة اللي فضلت مش قادرة أفهمها. بعد وفاة سارة المعلنة، الملف اتنقل لقسم تاني، وبعض الأوراق اختفت. ولما حاولت أسأل، اتقال لي إن الموضوع اتقفل، وإن مفيش داعي أرجع أفتحه.

بس إنتِ وافقتي تسكتي؟

نزلت عينيها.

أيوه. كنت خايفة أخسر شغلي، وكنت فاكرة إن الموضوع مجرد خطأ إداري. لكن بعد سنين، وصلتني رسالة من سارة نفسها.

شهقت.

سارة كانت عايشة؟!

نوال هزت راسها بسرعة.

استني، أنا ماقدرش أأكد لك إنها كانت صاحبة الرسالة. الخط كان شبه خطها، لكن الرسالة وصلت من غير عنوان مرسل، ومكنش فيها غير جملة واحدة

لو ظهر اسم ريبيكا في أي ملف قديم، لازم تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان.

إيديا بدأت ترتعش.

طب ليه ما بلغتيش الشرطة؟

ردت بحزن

حاولت أوصل للعنوان اللي كان مكتوب في الرسالة، لكن الشخص اللي استلمها هناك قال لي إن سارة ماتت من سنين. وبعدها بفترة، حد بعت لي صورة من شهادة الوفاة، وطلب مني أنسى الموضوع.

بصيت لها وقلت

ومين الشخص اللي بعت لك الشهادة؟

نوال قربت الملف مني، وطلعت صورة صغيرة من جيبها.

ده الشخص اللي شوفته يومها.

أول ما بصيت للصورة، اتجمدت.

كان خالي محمود.

نفس الراجل اللي اختفى من حياتنا من أكتر من عشرين سنة!

خرجت من الأوضة وأنا مش قادرة أرتب أفكاري.

المحامي كان مستنيني، ولما شاف وشي سألني إذا كنت كويسة.

حكيت له عن الصورة، لكنه قال إننا لازم نتأكد من مصدرها قبل ما نتهم أي حد.

ركبت العربية ورجعت البيت، وطول الطريق كنت بفكر في أمي.

هل كانت تعرف حاجة عن اللي حصل لسارة؟

وهل خالي محمود كان بيحاول يساعدها، ولا كان جزءًا من السر؟

لما وصلت، لقيت دانيال مستنيني في الصالة.

قام من مكانه أول ما شافني.

ريبيكا، كنت قلقان عليكي. قابلتي الممرضة؟

حطيت شنطتي على الترابيزة، وبصيت له.

أيوه. وعرفت إن أمي وخالي محمود ليهم علاقة بالأوراق القديمة.

دانيال سكت.

السكون ده كان كفاية يخليني أحس إن فيه حاجة مش بيقولها.

قربت منه وسألته

إنت كنت تعرف إن خالي محمود له علاقة بالموضوع؟

رد بعد لحظة

كنت أعرف إنه كان بيتابع قضية تخص سارة، لكن ماكنتش أعرف تفاصيلها.

وليه ما قلتليش؟

لأن كل مرة كنت بسأل عن الموضوع، كان بيتقال لي إن مفيش حاجة تستاهل نفتحها من جديد.

بصيت له بوجع.

حتى إنت قررت إني مش من حقي أعرف الحقيقة؟

قبل ما يرد، ظهر صوت إيميلي من آخر الممر.

ماما، جدتي على التليفون، وبتقول إنها لازم تشوفك حالًا.

أخدت التليفون منها.

صوت أمي كان مرتعشًا.

ريبيكا، إنتِ رحتي لمكتب المحامي؟

سكتُّ.

ماما، إنتِ تعرفي نوال؟

سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية.

وبعدين قالت

أيوه، أعرفها. وعارفة إن الوقت جه إني أحكيلك عن اللي حصل ليلة ولادتك.

حسيت إن قلبي هينخلع من مكانه.

طب احكيلي يا ماما. أرجوكي، أنا تعبت من الأسرار.

لكن أمي قالت جملة واحدة

مش في التليفون. تعالي لي بكرة الصبح، وتعالي لوحدك.

وبعدها قفلت.

تاني يوم، رحت بيت أمي.

كانت قاعدة في الصالة، قدامها صندوق خشب قديم، نفس الصندوق اللي افتكرت إني شوفته من سنين في دولابها.

أول ما دخلت، مدت إيدها وفتحت الصندوق.

جواه كان فيه دفتر أزرق، وصورة لأختي سارة، ومظروف مكتوب عليه اسمي.

أمي بصت لي بعينين مليانين دموع وقالت

أنا خبّيت الدفتر ده لأن سارة طلبت مني أحافظ عليه، لكني خفت إن فتحه يدمّر العيلة كلها.

فتحت أول صفحة.

كان فيها اسم خالي محمود، وتحته تاريخ قديم، وبعده جملة قصيرة مكتوبة بخط سارة

محمود مش هو الشخص اللي غيّر الأوراق لكنه الوحيد اللي يعرف مين عمل كده وليه.

رفعت عيني لأمي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى