
بصلي بحزن.
لأني كنت خايف أخسرك، وخايف الحقيقة تطلع مختلفة عن اللي متأكدين منه طول عمرنا.
قبل ما أرد، تليفون إيميلي رن.
رقم مجهول.
بنتي بصت للشاشة، ووشها اتغير.
دي هي.
فتحت المكالمة وحطت التليفون على السماعة الخارجية.
جالنا صوت ست هادي، لكنه كان مليان توتر
إيميلي، لازم تقولي لمامتك إن الصندوق وصل للمحامي. متخليش دانيال ياخده قبل ما تشوفوا اللي جواه.
دانيال قرب من التليفون بسرعة.
إنتِ مين؟ وليه بتدخلي بنتي في الموضوع ده؟
الست سكتت لحظات، وبعدين قالت
أنا مش عايزة أضر حد. أنا بس عايزة أصلح غلطة حصلت من سبعتاشر سنة.
صرخت فيها
غلطة إيه؟ وإنتِ تعرفي أختي منين؟
سمعت صوت أنفاسها، وبعدها قالت جملة خلت إيدي تبرد
أنا كنت الممرضة اللي استلمت ملف سارة ليلة ولادة إيميلي.
وقبل ما نقدر نسألها أي سؤال، قفلت الخط.
تاني يوم الصبح، قررنا نروح لمكتب المحامي.
طول الطريق، كنت باصة من الشباك، وبحاول أربط الأحداث ببعضها. لو الممرضة دي فعلًا تعرف حاجة، يبقى لازم نسمع منها الحقيقة، مهما كانت صعبة.
وصلنا المكتب، واستقبلنا المحامي عادل بنفسه.
كان راجل كبير في السن، وشكله مرهق، لكنه أول ما شافني وقف باحترام وقال
أخيرًا قابلتك يا مدام ريبيكا. أنا آسف إنك اضطرّيتي تعرفي كل ده بالطريقة دي.
دخلنا مكتبه، وطلع من الخزنة صندوق خشب صغير، عليه قفل قديم.
حطه على المكتب وقال
الصندوق ده وصلني من موكلتي من حوالي عشر سنين، ومعاه تعليمات إني ما أفتحوش إلا لما تظهر مستندات معينة تخص القضية.
سألته وأنا بحاول أسيطر على توتري
وإيه المستندات دي؟
فتح ملف وطلع منه شهادة ميلاد قديمة، وصورة من سجل المستشفى، وورقة مكتوبة بخط إيد أختي سارة.
لكن اللي شد انتباهي كان اسم موجود في سجل المستشفى.
اسم أمي.
أمي كانت عايشة وقتها، وكانت موجودة في المستشفى يوم ولادتي إيميلي، لكن محدش قال لي إنها اتسجلت ضمن الأشخاص اللي دخلوا قسم الولادة في نفس الليلة.
بصيت للمحامي وقلت
أمي كانت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟
رد بحذر
ده اللي محتاجين نعرفه. فيه توقيع منسوب لها على مستند متعلق بطفلة اتولدت في نفس اليوم، لكن لسه ما اتأكدناش من صحة التوقيع.
دانيال مد إيده ناحية الورق، لكن المحامي سحب الملف بهدوء.
اسمح لي، يا أستاذ دانيال. المستندات دي تخص مدام ريبيكا، والأفضل إنها تقراها بنفسها.
فتحت الورقة اللي مكتوبة بخط سارة، ولقيتها بتقول
ريبيكا، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت في إني أوضح لك الحقيقة بنفسي. أنا عمري ما كنت عايزة أحرمك من أي حاجة، لكن فيه قرار اتاخد بالنيابة عني، وناس كتير فضلت ساكتة خوفًا من الفضيحة.
لو عايزة تعرفي اللي حصل، دوري على الدفتر الأزرق اللي اتساب في بيت أمي. أول صفحة فيه فيها اسم الشخص اللي بدأ كل الحكاية.
قفلت الورقة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
سارة كانت بتحاول توصل لي رسالة من سنين، لكن مين اللي منعها؟
وفجأة، افتكرت حاجة.
أمي عندها صندوق قديم في دولابها، وكانت دايمًا ترفض تخلينا نفتحه. ولما كنت بسألها عن السبب، كانت تقول إن جواه حاجات تخص الماضي ومش عايزة تفتكرها.
بصيت لدانيال وقلت
لازم نروح لأمي دلوقتي.
لكن قبل ما نتحرك، المحامي قال
فيه مشكلة تانية. موكلتي اتصلت بيا امبارح، وقالت إن فيه حد حاول يدخل شقتها ويدور على نسخة من الدفتر الأزرق.
سألته
مين؟
هز راسه.
معرفش، لكن الكاميرا صورت الشخص وهو خارج من المبنى.
فتح اللابتوب، وعرض علينا صورة من كاميرا المراقبة.
الشخص كان لابس جاكيت غامق، ووشه مش واضح بالكامل.
لكن لما قربت من الشاشة، حسيت إن قلبي وقع.
الشخص ده كان شبه أبويا المتوفي بشكل يخوف!
مستحيل.
أبويا مات من عشر سنين!
فضلت باصة للصورة، وبعدين همست
مين الراجل ده؟
المحامي رد
لسه بنحاول نعرف هويته.
في اللحظة دي، إيميلي مسكت إيدي، وقالت بصوت ضعيف
ماما، فيه حاجة أنا مقلتهاش لك عن الست اللي قابلتها في الرحلة.
لفيت ناحيتها.
إيه هي؟
نزلت عينيها للأرض، وبعدها قالت
قبل ما تمشي، ادتني صورة لراجل كبير، وقالت لي إنه الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن كل اللي مكتوب في أوراق المستشفى مش صحيح.
طلعت الصورة من محفظتها وحطتها قدامي.
ولما شفت وش الراجل، عرفت إنه مش مجرد شخص غريب.
ده كان أخو أمي، خالي محمود، اللي عيلتنا كلها قالت إنه سافر بره مصر من أكتر من عشرين سنة، ومحدش يعرف عنه أي حاجة!
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان أصعب من كل اللي فات
ليه خالي اختفى؟ وإيه اللي يعرفه عن سارة؟ وليه رجع يظهر في حياتنا دلوقتي، بعد كل السنين دي؟
أما موضوع حمل إيميلي، فكان لسه محتاج نفهم تفاصيله بعيدًا عن التخمينات، ونتأكد إن بنتي في أمان وإنها بتاخد الرعاية الطبية اللي محتاجاها.
لكن قبل ما نخرج من مكتب المحامي، وصلته رسالة جديدة على تليفونه.
قراها، ووشه اتغير.
وبعدين رفع عينه لينا وقال
الممرضة وافقت تقابلكم الليلة، لكن اشترطت إن مدام ريبيكا تيجي لوحدها.
وسكت لحظة قبل ما يضيف
لأنها بتقول إن الشخص اللي غيّر الأوراق لسه موجود في حياتك، وإنتِ بتشوفيه كل يوم تقريبًا.
يتبع
الجزء الرابع الشخص اللي عايش وسطنا
فضلت باصة للمحامي، مش قادرة أستوعب كلامه.
يعني إيه الشخص ده لسه في حياتي؟ إنت تقصد مين بالظبط؟
عادل هز راسه وقال
أنا معرفش هويته لحد دلوقتي، والممرضة رفضت تقول أي تفاصيل في التليفون. كل اللي قالته إنها مستعدة تحكي الحقيقة الليلة، بشرط إنك تيجي لوحدك.
دانيال اعترض فورًا
مستحيل ريبيكا تروح مكان مجهول لوحدها! إحنا مش عارفين الست دي مين، ولا إذا كانت فعلًا الممرضة اللي بتدّعي إنها هي.
لكن أنا كنت حاسة إن مفيش وقت نضيعه.
بصيت له وقلت
أنا فضلت سبعتاشر سنة عايشة على رواية واحدة عن موت أختي. ودلوقتي عرفت إن فيه أوراق اتغيرت، وأسرار اتخبّت، وناس اختفت. لازم أعرف الحقيقة.
المحامي اتدخل وقال إن المقابلة هتكون في مكتبه، وإنه هيكون موجود في غرفة تانية قريبة، حفاظًا على سلامتي.
وافقت.
أما إيميلي، فطلبت مني قبل ما نمشي إني ما أسيبهاش لوحدها مع الأسئلة اللي بتخوفها.
حضنتها وقلتلها
إنتِ أهم حاجة عندي. ومهما كانت الحقيقة، هنواجهها سوا.
لكنها مسكت إيدي وهمست
ماما، لو الممرضة قالت لك إن فيه حاجة غلط في أوراق ولادتي، متزعليش مني. أنا نفسي مش فاهمة كل اللي بيحصل.
قلتلها وأنا بمسح دموعها
إنتِ ملكيش ذنب في أي سر الكبار قرروا يخبوه.
الساعة كانت تمانية بالليل لما وصلت مكتب المحامي.
دخلت أوضة صغيرة، فيها ترابيزة وكرسيين، وعلى الترابيزة كان فيه ملف بني قديم.
بعد دقائق، الباب اتفتح، ودخلت ست في أواخر الستينات، شعرها أبيض ووشها مرهق.
أول ما شافتني، وقفت مكانها.
وبعدين قالت
إنتِ شبه سارة أوي.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
حضرتك الممرضة اللي كانت في المستشفى ليلة ولادة بنتي؟
هزت راسها ببطء.
أيوه. اسمي نوال. وفضلت سنين طويلة أتمنى إني أقابلك وأحكيلك اللي حصل.
قعدت قدامي، وفتحت الملف.
كان جواه صور قديمة، ونسخ من سجلات المستشفى، وورقة عليها توقيع أمي.
نوال أشارت للورقة وقالت




