روايات وقصص

الجرسونه

— ده قرار المحكمة بعد ما تسمع كل الأدلة يا حبيبي. لكن المهم إن الحقيقة ظهرت، وإن محدش هيقدر يضغط علينا بنفس الطريقة دي.

ياسين سكت شوية، وبعدها قال:

— بابا، أنا كنت فاكر إن الناس اللي بتلبس بدل غالية وعندها فلوس كتير لازم تكون كويسة.

مراد ابتسم بحزن.

— وأنا كمان كنت فاكر كده أوقات. بس الحقيقة إن الإنسان مش بيتقاس بفلوسه ولا بلبسه ولا بمنصبه. بيتقاس باللي بيعمله لما يقدر يختار بين الصح والغلط.

ياسين ابتسم لأول مرة من قلبه.

— زي أبلة ملك؟

مراد هز راسه.

— بالظبط زي أبلة ملك.

بعد شهور
عدت شهور على الليلة اللي غيرت حياة ملك وياسين ومراد.

الملف استمر في مساره القانوني، واتقدمت الأدلة للمحكمة، واتحاسب المتورطون وفقًا لما ثبت عليهم من اتهامات وأحكام.

مراد راجع نظام الإدارة والرقابة المالية في شركاته، وغيّر طريقة تعامله مع الموظفين، وبقى يحرص على إن القرارات المهمة ما تبقاش في إيد شخص واحد مهما كانت ثقته فيه.

أما ملك، فبدأت مرحلة جديدة في حياتها.

أمها تلقت العلاج المناسب، وبدأت حالتها تتحسن تدريجيًا، وملك قدرت ترجع تكمل تعليمها في التمريض بعد ما رتبت ظروفها.

ما سابتش شغلها فجأة، لكنها بدأت تقلل ساعات العمل بالتدريج، لحد ما قدرت توازن بين الدراسة ورعاية أمها.

وفي يوم، وهي خارجة من المحاضرة، لقت عربية واقفة بعيد عن البوابة، ونزل منها ياسين.

كان لابس هدوم عادية، ووشه رجع لطبيعته تقريبًا، وابتسامته رجعت تاني.

جري ناحيتها وهو بينادي:

— أبلة ملك!

ملك ضحكت.

— إيه يا ياسين؟ إنت جيت هنا ليه؟ مش المفروض تكون في المدرسة؟

قال لها بفخر:

— أنا خلصت امتحانات النهارده، وبابا قال لي أعدي عليكي أسلم.

مراد نزل من العربية، وسلم عليها.

— إزيك يا ملك؟ عاملة إيه في الدراسة؟

ابتسمت.

— الحمد لله، بدأت أتعود على النظام، بس المحاضرات كتير.

مراد ضحك.

— استحملي، إنتِ قدها.

ياسين مسك إيدها وقال:

— بابا عنده مفاجأة ليكي.

ملك بصت لمراد باستغراب.

— مفاجأة إيه؟

مراد طلع ملف من العربية ومده لها.

— دي منحة دراسية كاملة، من خلال مؤسسة خيرية إحنا أسسناها لدعم الطلبة اللي ظروفهم المادية بتمنعهم يكملوا تعليمهم. وإنتِ أول واحدة وافقت تستفيد منها، بعد ما اتراجع طلبك واتأكدنا إنك مستوفية الشروط.

ملك فتحت الملف، وبدأت تقرأ الورق.

كانت منحة موثقة، بشروط واضحة، ومن غير أي التزامات شخصية أو وظيفية تجاه مراد أو شركاته.

رفعت عينها له، والدموع بتلمع فيها.

— أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.

مراد رد بهدوء:

— ما تقوليش حاجة. كملي تعليمك، وافتكري بس إن الفرصة اللي جاتلك، ممكن في يوم تكوني إنتِ السبب إن حد تاني ياخد فرصته.

ملك مسحت دموعها وضحكت.

— ربنا يجبر بخاطرك يا رب، زي ما جبرت بخاطري.

ياسين حضنها بسرعة، وقال:

— وأنا لما أكبر هبقى دكتور، وهعالج الناس الغلابة ببلاش!

ملك ضحكت وهي بتربت على كتفه.

— بس ذاكر الأول يا دكتور ياسين!

ضحكوا التلاتة، لكن ملك فجأة افتكرت الليلة اللي لقت فيها الولد مرمي في الشارع، واللحظة اللي كان فيها بيتنفس بصعوبة، وإزاي كانت ممكن تكمل طريقها وتسيبه.

بصت لمراد وقالت:

— على فكرة يا فندم، أنا عمري ما هنسى اللي حصل. بس مش عشان الفلوس أو المنحة. أنا مشيت في الليلة دي وأنا فاكرة إن أنا اللي ساعدت ياسين، لكن الحقيقة إن اللي حصل خلاني أرجع لحلمي اللي كنت فاكرة إنه انتهى.

مراد رد:

— ساعات ربنا بيبعت لنا فرصة في صورة موقف صعب، وإحنا ما بنفهمش حكمته غير بعد وقت.

ملك هزت راسها.

— يمكن. بس أنا اتعلمت حاجة واحدة.

ياسين سألها:

— إيه هي؟

ابتسمت وقالت:

— إن الإنسان ما يستناش يبقى غني أو قوي عشان يعمل الخير. ساعات كل اللي محتاجه إنه يقف دقيقة واحدة، ويسأل نفسه: لو أنا مشيت دلوقتي، مين هيساعد الشخص اللي قدامي؟

مراد بص لابنه، وبعدها بص لملك.

وفي اللحظة دي، فهم إن الثروة الحقيقية مش في الأرصدة اللي في البنوك، ولا في الشركات اللي تحمل اسم صاحبها، ولا في العربيات اللي الناس بتلفت عشان تتفرج عليها.

الثروة الحقيقية في إنك تقدر تنام وإنت ضميرك مرتاح، وإنك تكون سبب في إن إنسان تاني ينجو من لحظة صعبة.

أما ملك الشربيني، فبعد سنة كاملة، اتخرجت من معهد التمريض بتقدير كويس، وبدأت شغلها في مستشفى، وفضلت تزور ياسين من وقت للتاني، لحد ما بقى يعتبرها فرد من عيلته.

وفي يوم تخرجها، وقف مراد بين الحضور، وصفق لها بكل فخر، بينما ياسين كان بيهتف باسمها من آخر القاعة.

ملك رفعت عينها للسقف وهمست:

— الحمد لله يا رب… أخيرًا وصلت.

كانت فاكرة إن حياتها وقفت يوم اضطرت تسيب دراستها عشان تصرف على أمها، وإن أقصى حلم ممكن تحققه هو إنها تقدر تدبر تمن العلاج والإيجار.

لكنها اكتشفت إن الطريق اللي اتقفل قدامها زمان، ممكن يتفتح تاني في لحظة ما كانتش تتوقعها.

وكل ده بدأ لأنها سمعت صوت ضعيف في شارع هادي، وقررت ما تتجاهلوش.

النهاية.

العبرة من الحكاية: ما تحكمش على حد من شكله أو فلوسه أو منصبه، لأن وقت الشدة هو اللي بيكشف حقيقة الناس. وممكن موقف إنساني صغير منك يغير حياة إنسان تاني، ويرجع يفتح لك باب كنت فاكر إنه اتقفل للأبد.

روايات_مشيره_محمد

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى