
يعني هو كان فاكر اسمك؟
ليلى ابتسمت.
محدش يقدر يعرف بالضبط الحصان بيفكر إزاي، لكن واضح إنه كان مرتبط بيا من زمان. لما سمع صوتي، وبدأ يقرب مني بنفسه، حسيت إنه عرفني.
الشاب سألها
طب ليه كان بيتعامل بعدوانية مع الناس؟
ليلى بصت ناحية سنو، اللي كان بيأكل العشب في الحقل.
لأن القلق ساعات بيخلي الكائن الحي يحاول يحمي نفسه بأي طريقة يقدر عليها. هو ما كانش عارف مين هيأذيه ومين هيساعده، فبقى يتعامل مع الكل كأنهم ضرر.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
المشكلة إن الناس شافت اندفاعه، لكن ما حاولتش تفهم إيه اللي وصله لكده.
الشاب فضل يفكر في كلامها.
وليلى كانت تتمنى إن الحكاية دي تخلي الناس تبص للحيوانات بطريقة مختلفة، وتفهم إن السلوك العدواني أحيانًا بيكون علامة على الألم أو القلق، وإن التعامل الآمن محتاج صبرًا ومعرفة، مش مجرد قوة.
أما سنو، فكان بيتعافى يومًا بعد يوم.
الندوب فضلت موجودة، وما اختفتش بالكامل.
لكنها ما بقتش أول حاجة ليلى بتشوفها لما تبص له.
بقت تشوف الحصان اللي كان بيستناها كل صباح.
واللي كان بيقرب منها لما تناديه.
واللي بدأ يرجع يجري في الحقل من غير ما يفضل باصص وراه كل ثانية.
بقى عنده مكان يقدر ينام فيه من غير قلق، وأكل ومية، ورعاية بيطرية، ومساحة يتحرك فيها.
والأهم من كل ده، بقى عنده حد ما بيعتبرش قلقه عيبًا لازم يعاقبه عليه.
الفصل الأخير أنا ما اشتريتوش أنا رجعته لعيلته
في صباح ربيعي جميل، بعد مرور عامين تقريبًا على اليوم اللي قابلت فيه ليلى سنو في المزاد، كانت الشمس طالعة، والندى لسه موجودًا فوق العشب.
ليلى فتحت باب الإسطبل، وخرج سنو إلى الحقل.
كان جسمه الأبيض بيلمع تحت ضوء الشمس، ورقبته مرفوعة، وخطواته أكثر ثباتًا.
آثار الندوب القديمة كانت لسه ظاهرة، لكنها ما عادتش بتخفي جماله.
وقف لحظة، وبص ناحية ليلى.
هي ابتسمت وقالت
يلا يا سنو. وريني هتجري قد إيه النهارده!
وفجأة، انطلق الحصان في الحقل.
جري وسط العشب، ورفع رجليه بخفة، وشعر رقبته بيتحرك مع الهوا.
ليلى ضحكت، ودموعها نزلت من غير ما تحس.
كان المشهد بسيطًا، لكنه كان بالنسبة لها أعظم من أي عرض خيول شافته في حياتها.
لأنها كانت عارفة إن سنو ما بقاش بيجري عشان يهرب من حد.
كان بيجري لأنه أخيرًا حر.
بعد شوية، رجع ناحيتها، وخفض راسه قريبًا منها.
ليلى حضنته من رقبته، وفضلت واقفة جنبه وقت طويل.
وبعدين همست
فاكر لما قلت لك إني هرجع آخدك البيت؟
سنو حرك ودانه.
ضحكت وهي بتمسح على رقبته.
أنا وقتها ما كنتش أعرف إن الطريق هياخد كل السنين دي. بس كنت عارفة إني مش هبطل أدور عليك.
وفي نفس اليوم، زارها المدرب اللي كان موجودًا في المزاد.
وقف عند السور، وبص لسنو بإعجاب.
قال لها
كل ما أفتكر اليوم اللي دخلتي فيه الحلبة، مش بصدق اللي حصل. كل الناس كانت متأكدة إنه حصان مستحيل يتروض، وإنتِ دخلتي وقلتي اسمه، فوقف قدامك كأنه مستنيكي من سنين.
ليلى ابتسمت.
هو فعلًا كان مستنيني أو يمكن أنا اللي كنت محتاجة أرجع له.
المدرب سألها
عمرك فكرتي تبيعيه؟ بعد كل اللي حصل، ممكن يكون له سعر كبير دلوقتي.
ليلى بصت لسنو، وبعدين رجعت بصت له.
لا.
أبدًا؟
هزت راسها.
أبدًا. الناس في المزاد كانت بتشوف الندوب، وبتشوف حصانًا بيتعامل بعدوانية مع أي حد يقرب منه. لكن أنا كنت بشوف سنو اللي عرفته وأنا طفلة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
وأنا مش هرجع أكرر نفس الغلطة وأسيبه لمجرد إن الظروف صعبة. لو احتجت أشتغل أكتر، هشتغل. ولو احتجت أقلل مصاريفي، هعمل كده. لكن مش هبيعه عشان حد شايف إن قيمته بقت أعلى.
المدرب ابتسم، وهز راسه باحترام.
قبل ما يمشي، سألها
لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس الحاجة في المزاد؟
ليلى فكرت للحظات.
افتكرت قلقها وهي بتدخل الحلبة.
وافتكرت صرخة المدرب، وعيون الناس اللي كانت مستنية تشوفها وهي بتتعرض للاندفاع.
وبعدين افتكرت اللحظة اللي سنو رفع فيها راسه لما سمع اسمه.
وقالت
أيوه، كنت هحاول أساعده تاني. لكن المرة دي كنت هتأكد الأول إن المكان آمن، وإن عندي المساعدة المناسبة. أنا كنت محظوظة إنه عرفني وهدأ، لكن ده ما ينفعش يخلي الناس تفتكر إن الاقتراب من حصان قلقان من غير استعداد حاجة آمنة.
المدرب وافقها الرأي.
ليلى كانت عارفة إن اللي حصل في المزاد كان استثنائيًا، وإن كل حيوان له ظروفه، وإن الحب وحده مش بديلًا عن الرعاية المتخصصة.
لكنها كانت عارفة كمان إن سنو كان يستحق فرصة، وإنها لو كانت صدقت كلام الناس عنه، كان ممكن يفضل يتنقل من مكان لمكان لحد ما حياته تنتهي من غير ما حد يعرف قصته.
في المساء، دخلت ليلى البيت، وفتحت الدرج اللي كانت محتفظة فيه بصورة قديمة ليها مع سنو وهو مهر صغير.
حطت الصورة على مكتبها، وجنبها صورة جديدة اتصورتها معاه في الحقل.
في الصورة القديمة، كانت طفلة بتضحك، وسنو صغير بيقف جنبها.
وفي الصورة الجديدة، كانت ستًا ناضجة، وسنو حصانًا ضخمًا، لكن عينيه كانوا لسه بنفس اللون الرمادي الفاتح.




