روايات وقصص

جوزي و بنتنا

محمود، لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا مقدرتش أصلح الغلطة اللي عملتها من سنين. كنت فاكر إن السكوت هيحمي بناتي، لكن اكتشفت متأخر إن السكوت بيكبر المشكلة بدل ما يحلها.

الملف الأصلي لازم يرجع لأصحابه، والحقيقة لازم تظهر، حتى لو ده هيخلّي عيلتي تكرهني.

وقفت عند آخر جملة، ودموعي نزلت.

أبويا كان عارف إنه عمل غلطة، لكنه مات قبل ما يشرحها.

رفعت عيني لخالي.

إيه الغلطة اللي عملها؟

خالي فتح الصندوق، وطلع منه دفتر أزرق تاني، مختلف عن الدفتر اللي أمي كانت محتفظة بيه.

أبوكي كان مسؤول عن مراجعة بعض السجلات في المستشفى. في الليلة اللي اتولدت فيها إنتِ وإيميلي بعد سنين، كان فيه ملف قديم متعلق باختفاء طفلة. أبوكي اكتشف إن الملف اتنقل من مكانه، وإن فيه توقيعات مش متطابقة.

قاطعته

إيميلي اتولدت بعد الحادثة دي بسنين! إزاي الملف القديم له علاقة بيها؟

رد خالي

لأن سارة كانت بتحاول تعرف الحقيقة عن الطفلة المختفية قبل وفاتها، وبعدها بسنين وصلتها معلومة إن فيه مستندات اتنقلت لمكان تاني. المستندات دي كانت ممكن تثبت مين المسؤول عن اختفاء الملف، لكن محدش قدر يوصل لها.

سألته

طب ودانيال دخل في الموضوع إزاي؟

خالي بص لجوزي، وبعدها رجع بص لي.

دانيال استلم نسخة من المستندات بعد ما أبوكي توفى، لأنه كان الشخص اللي سارة طلبت منه يحتفظ بيها لو حصل لها أي حاجة.

لفيت ناحية دانيال بصدمة.

سارة طلبت منك إنت؟

دانيال هز راسه.

أيوه. قبل الحادثة بفترة، سارة اتصلت بيا وطلبت مني أساعدها توصل لشخص اسمه هالة. وقتها مكنتش فاهم ليه، لكنها قالت لي إن فيه طفلة ممكن تكون محتاجة تعرف أصلها الحقيقي.

وإنت ليه ما قلتليش؟

لأن سارة طلبت مني ما أتكلمش لحد ما أتأكد من المعلومات، وبعد وفاتها، مكنتش عايز أفتح جرحك من جديد من غير دليل. ولما ظهر المحامي، قررت أبدأ أراجع الملف.

بصيت له بمرارة.

لكنك أخدت بنتي وسافرت بيها، وخليتني أكتشف كل ده بالصدفة!

دانيال نزل عينه.

عندك حق. كان لازم أكون صريح معاكي من البداية.

لأول مرة، ما حاولش يدافع عن نفسه.

في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح، ودخلت إيميلي.

أول ما شفتها، جريت عليها وضمّيتها بقوة.

إنتِ كويسة يا حبيبتي؟ حد أذاكي؟

هزت راسها.

لأ يا ماما، أنا كويسة. خالي محمود اعتذر لي، وقال إنه غلط لما طلب مني أقابله من غير ما أقول لك.

بصيت لخالي بغضب، لكنه ما حاولش يبرر تصرفه.

إيميلي كملت

ماما، أنا عايزة أقول لك حاجة. الست اللي قابلتها في الرحلة بعتت لي رسالة قبل ما أسافر، وقالت لي إنها تعرف شخصًا ممكن يساعدني أفهم تاريخ عيلتنا. أنا وافقت أقابلها، لكن لما وصلت للفندق، اكتشفت إن بابا كان بيدور على نفس الشخص.

سألتها

والست دي اسمها إيه؟

ردت

هالة.

كلنا بصينا لبعض.

هالة!

الاسم اللي ظهر في دفتر سارة، والست اللي اختفت بنتها من المستشفى.

خالي محمود قام من مكانه وقال

يبقى لازم نلاقيها قبل ما تضيع مننا تاني.

لكن المحامي عادل رفع إيده وقال

استنوا. قبل ما نتحرك، لازم تشوفوا آخر مستند في الملف.

طلع ورقة مطوية، وفردها قدامنا.

كانت نسخة من سجل قديم، وفي آخرها ملاحظة مكتوبة بخط مختلف

تم تسليم نسخة الملف إلى هالة، بناءً على طلب صاحبة الشأن.

وتحت الملاحظة كان فيه توقيع.

توقيع أختي سارة.

حسيت بصدمة جديدة.

يعني سارة كانت تعرف هالة؟ وكانت بتساعدها؟

المحامي رد

ده الاحتمال الأقرب، لكن لسه محتاجين نتحقق من صحة التوقيع، ونعرف إيه اللي حصل للطفلة فعلًا.

إيميلي قربت من الورقة، وبصت للتاريخ المكتوب تحت التوقيع.

وبعدين قالت بصوت ضعيف

ماما، التاريخ ده هو نفس اليوم اللي اتولدت فيه أنا.

سكت الجميع.

أنا نفسي مقدرتش أتكلم.

لأن التاريخ كان فعلًا مطابقًا لتاريخ ميلاد بنتي.

لكن إيميلي فجأة أشارت إلى رقم مكتوب في هامش الورقة.

بصوا هنا ده رقم الملف اللي شفته في الفندق!

المحامي راجع الرقم في السجلات اللي معاه، وبعد دقائق من البحث، رفع عينيه وقال

الرقم ده مش تابع لملف الطفلة المختفية.

سألته بسرعة

أمال تابع لإيه؟

رد بصوت منخفض

ده رقم ملف

4

جوزى وبنتنا

حادثة وفاة سارة نفسها.

حسيت إن قلبي وقع.

إزاي توقيع سارة موجود على مستند في نفس اليوم اللي اتقال إنها ماتت فيه؟

هل كانت عايشة بعد الحادثة؟ وهل فيه حد استخدم توقيعها بعد وفاتها؟

وقبل ما حد يقدر يرد، رن تليفون خالي محمود.

رد، وفضل يسمع من غير ما يتكلم، وبعدها وشه اتغير تمامًا.

قفل المكالمة وبص لي.

هالة اتواصلت معايا. قالت إنها مستعدة تقابلنا، لكن مش في مصر.

سألته بذهول

يعني إيه مش في مصر؟

هي موجودة في بلد تانية، ومعاها مستندات أصلية. وبتقول إنها مش هتسلم أي ورقة إلا لما تشوف ريبيكا وإيميلي بنفسها.

دانيال اعترض

مش هنسافر ورا شخص مجهول من غير ما نتأكد من هويته. لازم نتواصل مع محامٍ ونتأكد إن المستندات أصلية.

وافقت على كلامه المرة دي.

لكن قبل ما نقرر أي حاجة، وصلت رسالة على تليفوني من رقم دولي.

كانت صورة لجواب قديم، وفي أسفل الصورة توقيع سارة.

والرسالة مكتوب فيها

ريبيكا، لو عايزة تعرفي الحقيقة عن اللي حصل ليلة ميلاد إيميلي، اسألي أمك عن الطفل اللي اتسجل باسم مختلف، واسألي دانيال ليه احتفظ بالنسخة التانية من شهادة الميلاد.

رفعت عيني ببطء ناحية جوزي.

وشه اتغير أول ما شاف الرسالة.

دانيال إيه النسخة التانية من شهادة الميلاد؟

فضل ساكت.

قربت منه، وقلت بصوت مخنوق

أرجوك، مش هقدر أستحمل سر جديد. قولي الحقيقة.

بعد لحظات طويلة، فتح شنطته وطلع مظروفًا أبيض قديمًا.

مدهولي وقال

دي الورقة اللي كنت بدور على فرصة أوريهالك من أول ما رجعنا من السفر.

فتحت المظروف.

كان جواه مستند رسمي عليه اسم إيميلي، وتاريخ ميلادها، وختم مستشفى.

لكن في خانة بيانات الأم، كان فيه اسم مختلف عن اسمي.

هالة محمود عبدالسلام.

بصيت للورقة، وبعدها بصيت لبنتي.

إيميلي كانت واقفة جنبي، وعينيها مليانة دموع.

همست

ماما أنا مش فاهمة. يعني إيه اسم واحدة تانية مكتوب مكان اسمك؟

حضنتها وقلت

مش هنصدق أي استنتاج قبل ما نراجع المستندات ونتأكد من صحتها. إنتِ بنتي، وده مش هيتغير.

لكن جوايا، كان فيه سؤال واحد مش راضي يسكت

هل كانت شهادة الميلاد دي مجرد خطأ قديم، ولا إن فيه سر أكبر متعلق بهوية إيميلي نفسها؟

والأخطر من كده، ليه سارة كانت بتحاول توصل لهالة قبل وفاتها، وليه دانيال احتفظ بالمستند ده كل السنين دي من غير ما يقول لي؟

في اللحظة دي، المحامي عادل قرب مننا، وبص للمستند بعناية، وبعدها قال

فيه حاجة مش طبيعية في الورقة دي. الختم أصلي، لكن رقم التسجيل مش مطابق لأي سجل ولادة رسمي عندنا.

وبعدين أشار إلى ظهر الشهادة.

كان فيه سطر مكتوب بخط اليد، ومحدش فينا لاحظه قبل كده

لا يتم تسليم النسخة الأصلية إلا بحضور صاحبة الملف.

لكن مين صاحبة الملف الحقيقية؟

أنا؟ إيميلي؟ ولا هالة اللي اختفت بنتها من المستشفى من سبعتاشر سنة؟

يتبع

النهاية الحقيقة اللي خبّوها سبعتاشر سنة!

فضلت باصة لشهادة الميلاد، وإيديا بتترعش، وكل اللي حواليا ساكتين.

اسم هالة كان مكتوب مكان اسمي، لكن دانيال أكد لي إنه عمره ما شك إن إيميلي بنتي، وإنه احتفظ بالورقة لأنه كان بيحاول يفهم سبب اختلاف البيانات.

قررت إننا مش هنفضل نعيش في دوامة الشك دي أكتر من كده.

اتفقنا مع المحامي إننا نتواصل مع هالة عن طريق الجهات القانونية، ونتأكد من هويتها ومن صحة المستندات قبل ما نصدق أي رواية.

وبعد أيام من الانتظار، وصلنا رد منها. وافقت تقابلنا في مكتب محامٍ مستقل، وبعتت مستندات أصلية كانت محتفظة بيها من سنين.

يوم المقابلة، دخلت هالة المكتب وهي ست في أواخر الخمسينات، وشعرها بدأ يشيب، لكن عينيها كان فيهم حزن سنين طويلة.

أول ما شافت إيميلي، وقفت مكانها، وحطت إيدها على بقها.

وبصوت مرتعش قالت

إنتِ كبرتي يا بنتي

إيميلي بصت لها باستغراب، وبعدين سألتها

حضرتك تعرفيني منين؟

هالة قعدت، وبدأت تحكي.

من سبعتاشر سنة، كانت هالة ولدت بنتها في نفس المستشفى اللي اتولدت فيه إيميلي. حصلت وقتها فوضى في تسجيل بيانات المواليد بسبب نقل الأطفال بين الأقسام، وبعدها اكتشفوا إن فيه ملفات اتعدلت من غير استكمال الإجراءات القانونية.

هالة كانت مقتنعة إن بنتها اتسجلت ببيانات غلط، لكنها مقدرتش تثبت ده، خصوصًا بعد ما اختفت بعض الأوراق من الأرشيف.

أما سارة، فكانت بتساعدها في البحث عن الحقيقة، لأنها اكتشفت إن والدنا كان محتفظ بنسخ من المستندات الأصلية.

لكن قبل ما سارة تقدر تكشف كل حاجة، حصلت حادثة وفاتها، وضاع جزء كبير من الأدلة.

سألت هالة بصوت متقطع

طب إيه علاقة إيميلي بالموضوع؟

هالة بصت لها، وبعدها بصت لي.

أنا مش جاية أقول إن إيميلي بنتي، ولا إن ريبيكا مش أمها. أنا جاية عشان أوضح إن فيه ملف اتنسب لطفلة تانية، واتستخدم بعد كده في مراجعة أوراق عيلتكم. وده اللي خلى الأسماء تتداخل في السجلات.

المحامي فتح المستندات اللي جابتها هالة، وراجعها مع الملفات الرسمية، وبعد مراجعة طويلة، اتضح إن شهادة الميلاد اللي كان فيها اسم هالة مكان اسمي نسخة غير معتمدة، ومش دليل على نسب إيميلي.

أما السجل الأصلي، فكان محفوظًا في أرشيف مختلف، وبياناته متطابقة مع بيانات ولادتي وولادة إيميلي.

حسيت براحة كبيرة، لكن كان لسه فيه سؤال مهم

مين اللي غيّر الأوراق؟

هالة بصت لدانيال، وبعدها قالت

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى