روايات وقصص

بالطباشير حكايات مشيرة

4

بالطباشير حكايات مشيرة

 

 

— طب وإنت كنت بتعمل إيه في أوضته بالليل؟

 

أشرف رد:

 

— كنت بساعده يغير وضعه لما يقدر يتحرك، وكنت بحاول أفهم منه إشاراته. امبارح كان بيحاول يوصل للدولاب، وأنا دخلت أساعده قبل ما يقع أو يتأذى.

 

سحر بصتله بصدمة.

 

— يعني هو قام من السرير فعلًا؟

 

أشرف هز راسه بحزن.

 

— لأ يا سحر، مش بالشكل اللي بنتكلم عنه. محمود لسه عنده إصابة شديدة ومش قادر يعتمد على نفسه. هو بيعمل محاولات حركة محدودة جدًا، وساعات بيقدر يرفع جزء من جسمه بمساعدة، لكن القيام والمشي لوحده مش حقيقة مؤكدة.

 

سحر حطت إيدها على قلبها.

 

— وجنى شافته واقف!

 

أشرف رد بهدوء:

 

— ممكن تكون شافته وهو بيحاول يعتدل، أو شافته في وضع مختلف عن اللي متعودة عليه. لازم نسألها عن التفاصيل.

 

لكن سحر كانت لسه عندها سؤال أهم.

 

— ليه مخبي عني كل ده؟ أنا مراته! أنا اللي شايلاه من يوم الحادثة!

 

أشرف نزل راسه وقال:

 

— عشان محمود كان شايف إنك تعبتي كفاية، وكان خايف إنك تتعلقي بأمل كبير وبعدها حالته تتراجع. هو كان بيحاول يحميكي، بس أنا عارف إنه غلط لما خلاكي بعيدة عن الحقيقة.

 

سحر دموعها نزلت بغزارة.

 

— أنا كنت بكلمه كل يوم، كنت بحكيله عن بنتنا، وكنت بعيط جنبه وأنا فاكرة إنه مش سامعني!

 

أشرف قال بصوت مكسور:

 

— هو كان سامعك في أوقات كتير يا سحر… ويمكن كان بيتمنى يقدر يرد عليكي.

 

في اللحظة دي، سمعوا صوت جنى من باب الصالة.

 

— عمو أشرف… هو بابا بقى أحسن؟

 

الاتنين بصوا ناحيتها.

 

كانت واقفة بدموع في عينيها.

 

سحر قامت وحضنتها.

 

— تعالي يا حبيبتي.

 

جنى بصت لأشرف وسألته:

 

— إنت كنت بتدخل عند بابا بالليل؟

 

أشرف اتفاجئ.

 

— أيوه يا جنى، كنت بدخل أطمن عليه.

 

البنت سألته:

 

— طب هو كان بيبصلي لما كنت بكلمه؟

 

أشرف ابتسم بحزن.

 

— أنا معرفش كل مرة، لكن ممكن يكون كان سامعك.

 

جنى جريت ناحية أوضة أبوها.

 

— أنا عايزة أكلمه.

 

سحر راحت وراها، وأشرف دخل معاهم.

 

وقفوا جنب السرير.

 

جنى مسكت إيد أبوها وقالت:

 

— يا بابا، أنا جنى. إنت فاكرني؟ أنا كبرت وبقيت في رابعة ابتدائي. وعملتلك رسمة في المدرسة، بس إنت لسه مش شوفتها.

 

سحر كانت بتعيط في صمت.

 

وفجأة، لاحظت حركة بسيطة في صوابع محمود.

 

جنى شهقت.

 

— ماما! صباعه اتحرك!

 

سحر قربت بسرعة، لكن أشرف رفع إيده وقال:

 

— استنوا، متضغطوش عليه.

 

في اللحظة دي، محمود حرّك صباعه مرة تانية.

 

 

 

 

 

 

وبعد ثواني، دمعة صغيرة نزلت من زاوية عينه.

 

جنى صرخت:

 

— بابا سامعني!

 

سحر حطت إيدها على بقها، وبعدها انحنت ناحية وشه وقالت:

 

— محمود… لو سامعني، أنا هنا يا حبيبي. أنا سحر، مراتك. مش هسيبك تاني.

 

للحظة قصيرة، اتحرك جفن محمود.

 

كانت حركة بسيطة جدًا، لكنها كانت كفاية تخلي سحر تحس إن الدنيا كلها اتغيرت.

 

في اليوم التالي، وصل الدكتور حازم ومعاه فريق متخصص لإعادة تقييم حالة محمود.

 

عملوا فحوصات عصبية دقيقة، واختبارات للاستجابة للأوامر البسيطة، وراجعوا الأدوية والتغذية وحالة العضلات.

 

وبعد ساعات، الدكتور طلب يقعد مع سحر وأشرف.

 

قالهم:

 

— فيه مؤشرات على وجود استجابات واعية أكتر من اللي كانت متسجلة في تقييماته السابقة. لكن لازم نكون حذرين جدًا. محمود محتاج برنامج تأهيل عصبي وحركي مكثف، ومتابعة مستمرة. ومش معنى إنه استجاب النهارده إنه يقدر يقف أو يمشي.

 

سحر سألت بلهفة:

 

— يعني فيه أمل يرجع يتكلم؟

 

الدكتور ابتسم ابتسامة هادية.

 

— فيه أمل في تحسن حالته، لكن محدش يقدر يحدد النتيجة النهائية دلوقتي. إحنا هنشتغل على كل استجابة تظهر، خطوة بخطوة.

 

وبعدين بص لأشرف وقال:

 

— ومهم جدًا أي حركة أو تغير يحصل يتسجل ويتبلغ للفريق الطبي، مش نحاول نساعده بحركات من نفسنا ممكن تضره.

 

سحر هزت راسها.

 

كانت مستعدة تبدأ من الصفر، حتى لو الرحلة هتاخد سنين.

 

لكن لسه فيه جزء من الحقيقة متعلق بحادثة محمود.

 

والورقة اللي لقتها في الدولاب كانت بتقول إن الحكاية أكبر من مجرد مرض وحادثة.

 

بعد أسبوعين من بدء التأهيل، محمود بقى قادر يستجيب لبعض الأوامر البسيطة في أوقات معينة.

 

الدكتور كان بيطلب منه يضغط على إيده، وأحيانًا كان بيقدر يعمل ده.

 

وفي جلسة من الجلسات، جنى كانت قاعدة جنبه وبتحكيله عن المدرسة.

 

قالتله:

 

— يا بابا، أنا جبت امتياز في العربي، وماما وعدتني تجيبلي عجلة لو جبت درجات حلوة.

 

فجأة، محمود ضغط على إيدها ضغطة خفيفة.

 

جنى فضلت تضحك وتعيط في نفس الوقت.

 

— ماما! بابا وافق! بابا عايز يجيبلي العجلة!

 

سحر حضنتها وقالت:

 

— هنجيبها يا حبيبتي، بس لما بابا يبقى أحسن ونفرح بيه.

 

وفي نفس اليوم، حصلت حاجة تانية.

 

أثناء جلسة التأهيل، الدكتور كان بيعرض على محمود صور لأشخاص يعرفهم، وبيطلب منه يحدد اللي يعرفه عن طريق حركة عينه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى