روايات وقصص

بالطباشير حكايات مشيرة

5

بالطباشير حكايات مشيرة

 

 

لما ظهرت صورة مدحت، شريك محمود القديم، حصل تغير واضح في تعبير وشه.

 

شد عضلات رقبته، وحاول يحرك إيده.

 

الدكتور لاحظ ده وسجل الاستجابة.

 

وبعد الجلسة، قال لسحر:

 

— واضح إن الصورة دي أثارت عنده انفعال قوي. هل الشخص ده له علاقة بمشكلة قديمة؟

 

سحر حكتله عن الخلافات المالية قبل الحادثة.

 

الدكتور طلب منهم يتجنبوا الضغط عليه بأسئلة كتير، لكن سحر فهمت إن محمود لسه فاكر حاجة.

 

بعد أيام، وصل لسحر اتصال من رقم غريب.

 

ردت بحذر:

 

— ألو؟

 

جالها صوت راجل قال:

 

— مساء الخير يا مدام سحر، أنا سامح، كنت شغال محاسب في شركة الأستاذ محمود.

 

سحر اتفاجئت.

 

— خير يا أستاذ سامح؟

 

— أنا عرفت إنه بدأ يتحسن، وكنت عايز أقابلك في موضوع مهم جدًا، بس مش عايز أتكلم في التليفون.

 

سحر قلبها دق بسرعة.

 

— موضوع إيه؟

 

— موضوع حادثة الأستاذ محمود. فيه حاجات أنا سكت عنها زمان، وضميري مش مرتاح.

 

اتفقوا يتقابلوا في مكان عام قريب من البيت.

 

ولما وصلت، لقت سامح قاعد مستنيها، ومعاه ملف قديم.

 

قالها:

 

— أنا عارف إن الكلام اللي هقوله صعب، لكن لازم تعرفي إن مدحت كان بيحاول يخفي تحويلات مالية قبل الحادثة.

 

— وإيه علاقة ده بحادثة محمود؟

 

سامح طلع صورة من الملف.

 

كانت صورة لتقرير صيانة العربية قبل الحادثة بأيام.

 

وقال:

 

— فيه ملاحظة عن عطل في نظام الفرامل، لكن التقرير اتعدل بعد كده، واتكتب إن العربية كانت سليمة.

 

سحر حست ببرودة في أطرافها.

 

— يعني إنت بتقول إن حد لعب في فرامل العربية؟

 

— أنا مش هقدر أتهم حد من غير تحقيق، لكن عندي نسخة من التقرير الأصلي، وفيه اختلافات واضحة بينه وبين النسخة اللي اتقدمت بعد الحادثة.

 

سحر أخدت الملف بإيد مرتعشة.

 

— ليه مقلتش الكلام ده من زمان؟

 

سامح نزل عينيه.

 

— كنت خايف على شغلي، وبعدها اتخضيت لما عرفت إن محمود حالته بقت بالشكل ده. بس لما عرفت إنه بدأ يستجيب، قررت أتكلم.

 

سحر رجعت البيت وهي مش قادرة تستوعب.

 

دخلت أوضة محمود، وقعدت جنبه.

 

قالتله:

 

— يا محمود، أنا عرفت إن فيه حاجة غلط حصلت يوم الحادثة. وعرفت إن مدحت ممكن يكون له علاقة.

 

في اللحظة دي، محمود حرّك إيده بصعوبة.

 

سحر قربت.

 

— إنت فاكر حاجة؟

 

حاول يحرك شفايفه، وخرج صوت ضعيف جدًا، متقطع.

 

— م… مدحت…

 

سحر شهقت.

 

— مدحت عمل إيه يا محمود؟

 

حاول يتكلم مرة تانية، لكن صوته اختفى.

 

 

 

 

 

نادت الدكتور فورًا.

 

ولما جه، طلب منها تهدى ومتضغطش عليه.

 

قالها:

 

— دي استجابة مهمة، لكن لازم نسيبه ياخد وقته.

 

سحر ما اكتفتش بكلام سامح.

 

راحت قدمت المستندات للجهات المختصة، وطلبت إعادة فحص ملابسات الحادثة القديمة.

 

وبعد مراجعة التقارير وسماع أقوال بعض العاملين السابقين في الشركة، بدأت تظهر تناقضات في كلام مدحت.

 

اتضح إنه كان بالفعل بيخفي مستندات مالية، وإنه حاول يتخلص من أوراق تثبت مخالفاته قبل الحادثة.

 

لكن التحقيقات ما اعتبرتش ده وحده دليلًا على إنه تسبب في الحادثة.

 

تم استدعاؤه وسؤاله عن التقارير، وبدأت الجهات المختصة تفحص النسخ الأصلية وسجلات الصيانة وشهادات العاملين.

 

ولما عرف إن محمود بدأ يستجيب، اتصل بسحر.

 

قالها بصوت متوتر:

 

— أنا سمعت إن جوزك اتحسن، وعايز أجيله وأطمن عليه.

 

سحر ردت ببرود:

 

— مفيش داعي.

 

— ليه؟ إحنا عشرة عمر، وأنا مش غريب.

 

— العشرة عمر كانت قبل ما أوراق الشركة تختفي، وقبل ما نكتشف إن تقارير العربية فيها تلاعب. أي كلام عندك قوله في التحقيق.

 

وسابت التليفون وقفلت.

 

لأول مرة من سنين، سحر حست إنها مش ضعيفة ولا عاجزة.

 

هي مش بس بتحارب عشان جوزها يرجع، دي كمان بتحاول تعرف مين كان السبب في ضياع حياتهم بالشكل ده.

 

مرت شهور طويلة.

 

محمود بدأ يستعيد جزءًا من قدرته على التحكم في جسمه، وبعد فترة طويلة من العلاج والتأهيل، قدر يقعد على كرسي متحرك بمساعدة الفريق الطبي.

 

كان الكلام لسه صعب عليه، وجمله قصيرة ومتقطعة، لكنه بدأ يتواصل مع أسرته بشكل أوضح.

 

وفي يوم، سحر كانت بتغيرله هدومه، فقال بصوت ضعيف:

 

— سحر…روايات_مشيره_محمد

 

اتجمدت مكانها.

 

بصتله بسرعة.

 

— نعم يا حبيبي؟

 

كرر بصعوبة:

 

— تعبتك… كتير.

 

سحر دموعها نزلت، ومسكت إيده وباستها.

 

— إنت بتقول إيه بس؟ إنت جوزي وحبيبي. أنا عملت اللي أي واحدة بتحب جوزها كانت هتعمله.

 

محمود حاول يبتسم.

 

— جنى…

 

سحر نادت بنتها.

 

— جنى! تعالي بسرعة!

 

جنى جريت من أوضتها.

 

— نعم يا ماما؟

 

سحر أشارت لأبوها.

 

— بابا عايزك.

 

البنت قربت منه.

 

محمود فضل يبصلها فترة طويلة، وبعدها قال بصعوبة:

 

— كبرتي… يا جنى.

 

البنت انفجرت في العياط وحضنته بحذر.

 

— وحشتني أوي يا بابا، أنا كنت كل يوم بكلمك وإنت مش بترد عليا.

 

محمود حاول يرفع إيده، وسحر ساعدته لحد ما قدر يلمس شعر بنته.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى