روايات وقصص

شنطة مكياج

قبلت العرض وبدأت مرحلة جديدة.

أما رامي فكنت بسمع أخباره من بعيد.

مش عشان كنت مهتمة بيه، لكن لأن بعض الإجراءات القانونية كانت لسه مستمرة.

عرفت إنه اضطر يبيع عربيته عشان يسدد جزء من التزاماته، وإن كريمة باعت جزء من ممتلكاتها بعد ما اتكشفت حقيقة الديون اللي كانوا بيحاولوا يخفوها.

والأهم إن العلاقة بينهم اتغيرت.

لأن رامي بدأ يلوم أمه على إصرارها إنه ينقل عندها، وإنها كانت بتضغط عليه عشان ياخد شقتي.

وكريمة كانت بتلومه لأنه نفذ كل حاجة بالطريقة اللي ورطته.

الاتنين اللي كانوا متفقين زمان على استغلالي بقوا بيتخانقوا بسبب نفس الاتفاق.

وفي يوم كنت راجعة من الشغل لقيت بابا قاعد مستنيني في البيت ومعاه علبة صغيرة.

سألته:

«إيه دي يا بابا؟»

قال:

«افتحيها».

فتحت العلبة ولقيت جواها سلسلة دهب بسيطة كانت بتاعة أمي.

عيني دمعت.

قلتله:

«دي كانت عندك؟»

قال:

«أيوه، أمك كانت محتفظة بيها، وكانت بتقول إنها هتديهالك يوم ما تفرحي من قلبك».

مسكت السلسلة وفضلت أبص لها.

بابا قال:

«أنا عايزك تفتكري حاجة يا نيرمين».

سألته:

«إيه؟»

قال:

«البيت مش حيطان وأثاث وعقد ملكية. البيت هو المكان اللي تقدري تكوني فيه على طبيعتك من غير خوف، ومن غير ما حد يطلب منك تخفي وجعك عشان شكلك قدام الناس».

حضنته وقلت:

«أنا فهمت ده متأخر يا بابا».

رد عليا:

«المهم إنك فهمتيه قبل ما تخسري نفسك».

بعد سنة كاملة كنت في الشركة براجع ملف مالي جديد، لما لقيت رقم غريب بيتصل بيا.

رديت وسمعت صوت رامي.

قال:

«إزيك يا نيرمين؟»

قلتله:

«الحمد لله».

قال:

«أنا عارف إنك مش عايزة تسمعيني، بس كنت محتاج أقولك حاجة».

سكت شوية وبعدين قال:

«أنا آسف على اللي حصل».

ما رديتش.

كمل:

«أنا خسرت حاجات كتير بعد اللي عملته، وكنت فاكر إنك لما تمشي هترجعي تاني بعد يومين، لكن ما حصلش».

قلتله:

«أنا مشيت لأنك خلتني أحس إن وجودي معاك خطر عليا».

قال:

«عارف».

وبعدين قال بصوت واطي:

«ماما كمان عايزة تعتذرلك».

قلتله:

«أتمنى تكونوا اتعلمتوا من اللي حصل».

قال:

«إنتي عمرك ما فكرتي تسامحيني؟»

بصيت من شباك المكتب وقلت:

«التسامح حاجة، والرجوع حاجة تانية يا رامي. أنا مش بتمنى لك الأذى، لكن مش هقدر أرجع أعيش الحياة اللي كنت عايشاها».

قال:

«يعني خلاص؟»

قلت:

«أيوه خلاص».

قفلت المكالمة من غير زعيق ولا عتاب.

ولأول مرة ما حسيتش إني محتاجة أشرح له أي حاجة.

في نفس الليلة رجعت البيت وفتحت الدولاب أدور على حاجة قديمة.

لقيت شنطة المكياج اللي رماها رامي على السرير يوم ما أساء معاملتي.

كنت محتفظة بيها من غير ما أخد بالي.

مسكتها وافتكرت اليوم ده.

افتكرت الأثر اللي كان على وشي، ووشه البارد وهو بيطلب مني أخفي الآثار وأبتسم عشان أمه جاية.

افتكرت إزاي كان فاكر إن أكبر مشكلة عندي هي إن الناس تشوف آثار الإساءة.

بينما الحقيقة إن أكبر مشكلة كانت إني كنت بحاول أحافظ على بيت، مع إن اللي جواه كان بيهدمني كل يوم.

فتحت الشنطة وطلعت منها أدوات المكياج واحدة واحدة.

وبعدين حطيتها في كيس ورميتها.

ما كنتش محتاجة أخفي أي علامة تاني.

بعدها دخلت الصالون ولقيت بابا بيتصل بيا.

قال:

«عاملة إيه يا بنتي؟»

ضحكت وقلت:

«الحمد لله يا بابا، أنا كويسة».

قال:

«صوتك فيه فرحة النهارده».

قلتله:

«عشان أخيرا بقيت مرتاحة في بيتي».

قال:

«ربنا يديمها عليكي».

قفلت المكالمة وقعدت على الكنبة وبصيت حواليا.

الشقة كانت هادية.

مفيش صوت حد بيزعق.

مفيش حد بيأمرني أعمل إيه.

مفيش حد بيطلب مني أتنازل عن حقي عشان يرضى عني.

وكان عندي إحساس غريب إني لأول مرة من سنين عايشة لنفسي.

وفهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد نهاية جواز.

دي كانت بداية حياة جديدة.

وفي النهاية عرفت إن شنطة المكياج اللي رماها رامي عشان أخفي آثار إساءته كانت آخر حاجة هتربطني بيه.

هو كان عايزني أخبي اللي حصل عشان أمه ما تعرفش الحقيقة، لكن الحقيقة ظهرت قدام الاتنين، وخلتهم يواجهوا نتيجة اللي عملوه.

وأنا ما خسرتش بيتي لما مشيت من عنده، أنا استعدت نفسي وحياتي وكرامتي.

تمت… مشيره محمد

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى