
1
الحصان صاحب الندوب
محدش رضي يشتري الحصان الأبيض اللي جسمه كله ندوب لكن لما ست دخلت الحلبة ونطقت بكلمة واحدة، حصلت معجزة خلت مئات الناس واقفين مش قادرين يصدقوا عينيهم!
تخيل إنك تكون واقف وسط مزاد خيول، وفجأة يدخل حصان أبيض ضخم، جسمه مليان ندوب وعلامات قديمة، وعينيه لونهم باهت وغريب، وكل اللي في المكان يرجعوا لورا أول ما يشوفوه!
حصان محدش قادر يسيطر عليه، ولا مدرب عارف يروضه، ولا صاحب مستعد يحتفظ بيه. كل واحد اشتراه قبْل كده رجّعه، وكل محاولة لتقريبه من البشر كانت بتنتهي باندفاع صعب، لدرجة إن بعض العاملين في الإسطبل بقوا يرفضوا يدخلوا له الأكل بنفسهم!
لكن في اليوم ده، وسط عشرات الناس اللي كانوا بيتفرجوا عليه وبيسخروا منه، قامت ست في منتصف التلاتينات من مكانها، وقررت تعمل حاجة محدش غيرها كان عنده الجرأة إنه يفكر فيها أصلًا.
دخلت الحلبة لوحدها، من غير سوط، ولا حبل، ولا حتى أي وسيلة تحمي نفسها من اندفاع الحصان.
ولما بقت على بعد خطوات قليلة منه، بصت في عينيه وقالت كلمة واحدة بس
سنو!
وفي اللحظة دي، الحصان اللي كان مقلق مئات الناس، واللي محدش قدر يلمسه من سنين، وقف مكانه كأنه شاف شبحًا من الماضي!
لكن اللي محدش كان يعرفه إن ورا الندوب اللي مالية جسمه حكاية موجعة، وإن الست دي ما دخلتش الحلبة عشان تشتري حصانًا وخلاص
دي كانت داخلة تدور على آخر فرد من عيلتها لسه عايش!
تعالوا نرجع من البداية، ونشوف إزاي حصان كان يومًا رمزًا للحب والأمان، اتحول لصعب التعامل، وإزاي كلمة واحدة قدرت ترجع له ذكريات كان العالم كله فاكر إنها رحلت للأبد
الفصل الأول الحصان اللي محدش قدر يكسب ثقته
قبل الحكاية دي بسنين طويلة، في قرية صغيرة وسط مزارع واسعة وحقول خضرا، كانت عايشة بنت اسمها ليلى، بنت عندها عشر سنين، وكانت بتحب الخيول أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ليلى كانت عايشة مع أبوها محمود في مزرعة قديمة ورثها عن جده. المزرعة ما كانتش أكبر مزرعة في المنطقة، لكن كانت بالنسبالها أجمل مكان في العالم؛ فيها شجر تفاح، وبير مية قديم، وإسطبل خشبي ريحته دايمًا خليط من التبن والقش والخشب.
أما أبوها، فكان راجل بسيط، قليل الكلام، لكنه كان عنده قلب كبير، خصوصًا مع الحيوانات.
كان دايمًا
يقول لبنته
يا ليلى، الحيوان مش بيتكلم زينا، لكن ده مش معناه إنه مابيحسش. ساعات الحيوان بيكون قلقان أكتر مننا، بس مش بيعرف يقول إنه قلقان.
كانت ليلى بتسمع كلامه بانبهار، وتفضل تسأله أسئلة كتير عن الخيول، وعن إزاي بتعرف أصحابها، وإزاي بتفتكر الأماكن والناس حتى لو غابوا سنين.
وكان أبوها يبتسم ويقول
الحصان ممكن ينسى حاجات كتير، بس مستحيل ينسى حد خلاه يحس بالأمان.
وفي يوم من أيام الربيع، رجع محمود من سوق الخيول وهو سايق عربية قديمة، ووراها مقطورة صغيرة.
ليلى كانت بتلعب قدام البيت، ولما سمعت صوت العربية، جريت ناحيته.
بابا! جبت إيه؟
محمود نزل من العربية، وابتسم ابتسامة غامضة.
جبت لك مفاجأة، بس لازم توعديني إنك هتسمعي كلامي.
ليلى هزت راسها بحماس.
ولما قربت من المقطورة، سمعت صوت حركة خفيفة من جواها.
رفعت نفسها على أطراف صوابعها، وبصت من الفتحة، وفجأة شهقت من الفرحة.
كان جواها مهر أبيض صغير، لسه جسمه نحيف، وشعر رقبته ناعم، وعينيه واسعتين بلون رمادي فاتح، كأن فيهم انعكاس السما وقت الفجر.
ليلى حطت إيدها على بقها من شدة السعادة.
يا نهار أبيض! ده جميل أوي!
المهر كان واقف متردد، وبيحرك ودانه يمين وشمال، لكنه ما كانش بيحاول يهرب.
محمود قال لها
أمه رحلت بعد الولادة بفترة قصيرة، وصاحبه القديم ما كانش قادر يهتم بيه، فاشتريته وجبته يعيش معانا.
ليلى بصت للمهر بحنان، ومدت إيدها ببطء، لكنها قبل ما تلمسه، أبوها وقفها.
استني يا حبيبتي. سيبيه الأول يشم إيدك، وما تخوفيهوش. لازم هو اللي يقرر يقرب منك.
ليلى مدت إيدها بهدوء.
المهر قرب خطوة، وبعدين خطوة تانية، وشم صوابعها، وبعد لحظات لمس كفها بمنخاره الصغير.
ضحكت ليلى، والدموع لمعت في عينيها من الفرحة.
هسميه سنو! عشان أبيض زي التلج!
ومن يومها، بقى سنو جزءًا من العيلة.
كانت ليلى تصحى كل يوم بدري، قبل المدرسة، وتروح له ومعاها تفاحة صغيرة أو جزرة. وكانت تقعد جنبه وتحكيله عن يومها، وعن المدرسين اللي بيزعقوا، وعن صاحبتها اللي زعلتها، وعن أحلامها لما تكبر.
وسنو، رغم إنه ما كانش بيفهم كل كلمة، كان بيقف جنبها بهدوء، ويحرك ودانه كل ما يسمع صوتها.
كبر سنو، وكبرت معاه علاقة ليلى بيه.
ومع
مرور السنين، بقى حصانًا أبيض ضخمًا، قويًا ورشيقًا، لكنه كان هادي بصورة مدهشة.
محمود علّم ليلى إزاي تركب الخيل، وإزاي تنظف الإسطبل، وإزاي تتعامل مع الحيوان من غير ما تجبره على حاجة هو مش مستعد لها.
وفي أول مرة ركبت فيها سنو لوحدها، كان عندها أربعة عشر سنة.
أبوها كان واقف بعيد، بيراقبها، ومستعد يتدخل لو حصل أي ضرر.
لكن سنو مشي معاها بهدوء وسط الحقول، وليلى كانت بتضحك وهي بتشد اللجام برفق.
ولما رجعت، أبوها قال لها بفخر
شايفة؟ هو مش مطيع عشان قلقان منك. هو مطيع عشان واثق فيكي.
ليلى حضنت رقبة سنو، وهمست في ودنه
وأنا عمري ما هخليك تقلق مني يا سنو. أوعدك.
كانت فاكرة إن الوعد ده سهل، وإنها هتفضل معاه طول عمرها.
لكن الحياة ساعات بتاخد مننا حاجات بنكون متأكدين إنها هتفضل معانا للأبد.
الفصل الثاني اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه
لما ليلى وصلت لعشرين سنة، بدأت حياتها تتغير.
أبوها تعب، وفي البداية كانت مجرد نوبات إرهاق، لكنه بعد فترة بقى مش قادر يشتغل في المزرعة زي الأول.
ليلى كانت بتحاول تساعده في كل حاجة؛ تبيع المحاصيل، وتتابع العمال، وتهتم بسنو، وتروح مع أبوها للدكتور.
لكن مصاريف العلاج كانت بتزيد، والمزرعة بدأت تخسر جزءًا من دخلها.
في نفس الفترة، ظهر رجل اسمه فؤاد، كان تاجر خيول معروف في المنطقة، وبيشتري الخيول الأصيلة عشان يبيعها بأسعار أعلى.
فؤاد كان عنده فلوس كتير، وبيعرف يتكلم بطريقة تخلي أي حد يحس إنه قدامه رجل محترم وجدير بالثقة.
زار محمود أكتر من مرة، وكان كل مرة يفتح معاه موضوع شراء سنو.
الحصان ده قيمته كبيرة يا محمود. أنا ممكن أريحك من مصاريفه، وأدفع لك مبلغ يساعدك في علاجك.
لكن محمود كان بيرفض.
سنو مش للبيع.
فؤاد كان بيبتسم، ويغير الموضوع، لكنه ما كانش بينسى.
وفي مساء يوم شتوي، ساءت حالة محمود فجأة، واضطرت ليلى تنقله للمستشفى.




