منوعات

ترقية جوزي – محمد نور

قعدت طول حفل ترقية جوزي العسكرية، وحماتي قدام قاعة مليانة ضباط بتقول عني إني عاطلة ونازلة أكل ومرعى وغيرة، وعايشة على قفا ابنها.

جوزي سمع كل كلمة.

وما دافعش عني بكلمة واحدة.

بالعكس.. ابتسم.

وده أكتر جزء مش هنساه في الليلة دي كلها.

مش ضحك الناس اللي قاعدين في أخر الطاولة..

ولا السكوت المحرج من زوجات الضباط اللي جنبي..

ولا حتى نظرة الشماتة والتشفّي اللي كانت على وش نادية، حماتي، وهي بترفع كاسها وبتحول إهانتي لفقرة تسلية للحضور.

اللي أثر فيا بجد كانت ابتسامة هشام.

هادية.

مرسومة.

فيها شبه فخر.

كل اللي كانوا في نادي الضباط كانوا مصدقين بالظبط الصورة اللي هو بقاله سنين بيزرعها في دماغهم.

إن الرائد هشام عبدالرحمن هو الراجل الناجح..

اللي شايل البيت ومكفي طلباته..

الضابط الملتزم..

وإني أنا “نوران”، مراته العاطلة اللي قاعدة في البيت وهو شايل شيلة الوطن وبيخدم البلد.

اللي محدش فيهم كان يعرفه، إني بقالي ست سنين بحمي شغلي ومستقبلي اللي هشام عمره ما فهم منه حاجة.

شغل متداري ورا أبواب مقفولة، وأوامر سرية للغاية، وبيانات مشفرة، واسم أنا نفسي بطلت استخدمه اجتماعياً من زمان: نوران الألفي.

وقبل ما الليلة دي تخلص، القائد الجديد بتاع هشام هيدخل القاعة، ويضربلي تعظيم سلام قدام الكل، ويكشف الحقيقة الوحيدة اللي جوزي عمره ما تخيلها في أحلامه.

نادي الضباط في الجلاء كان شكله زي الأحلام الليلة دي.

الفضة المتلمعة بتعكس إضاءة النجف الكريستال.

البدل العسكرية المكوية بالمسطرة تفتكرها منحوتة.

وفرقة وتريات شغالين عزف هادي جنب الدفاية الرخام، والويترات بيلفوا بين الطاولات بصواني العصير والمقبلات الصغيرة اللي محدش بياكل منها تقريباً.

هشام كان بيموت في الليالي اللي زي دي.

بيحب الأماكن اللي الرتب فيها باينة ومفروزة.

اللي النياشين فيها بتتحسب بالواحدة.

اللي الناس بتقف فيها انتباه أول ما شخص مهم يدخل.

ترقيته لرتبة رائد كانت بالنسبة له بداية كل حاجة كان بيحلم بيها:

قيادة أكبر..

مواقع أحسن..

نفوذ أكتر..

وهيبة وهيبة.

بقاله أسابيع مبيحكيش غير عن الحفلة دي:

ألبس إيه..

أتكلم إزاي..

مين اللي أتحاشى الكلام معاه..

وأهم حاجة بقى: أقول إيه لو حد سألني شغالة إيه؟

“قوليلهم واخدة إجازة بدون مرتب وشايفة بيتك، وخلاص”، ده اللي قالهولي الصبح.

كنت واقفة قدام مراية الأوضة بركب الحلق.

* “واخدة إجازة ست سنين كاملين؟”

بصلي في المراية بنفاذ صبر:

* “نوران.. أنتِ فاهمة قصدي كويس.”

* “لا مش فاهمة.”

تك على سنانه وقال:

* “نوران، دي ليلتي أنا. محدش محتاج وجع دماغ وشرح معقد عن موضوع ‘الاستشارات الحكومية’ بتاعك ده.”

استشارات حكومية..

دي الجملة اللي أنا ادتهاله من سنين عشان دي الوحيدة اللي كان مصرح لي أقولها.

هو عمره ما سأل في التفاصيل بعدها.

في الأول افتكرت ده احترام منه لخصوصية شغلي.. بس مع الوقت اكتشفت إن ده كان مجرد تجاهل وعدم اهتمام.

طالما شغلي مش هيشرفه قدام قادته وهيتباهى بيه، يبقى هشام مش فارق معاه.

وطالما مش هيضيف لسمعته، يبقى الأحسن يتظاهر إنه مش موجود أصلاً.

فأنا سيبته على راحته.

والقرار ده سهّل حياتي كتير.. وعن غير قصد، خلى شغلي في أمان أكتر بكثير.

على ما حماتي قامت عشان تقول كلمتها وتعمل الشربات، كنت خلاص لاحظت ثلاث حاجات ضايقوني جداً:

الأولانية: إن هشام بقاله يجي عشرين دقيقة واقف جنب البار بيتكلم على جنب مع مقاول مدني اسمه مراد زهران.

الثانية: إن مراد ده كل شوية يبص على باب القاعة كأنه مستني حد يدخل.

الثالثة: كانت واحدة اسمها شيرين.

عرفت اسم الأولاني ده بس لأن نادية حماتي حضنتها أول ما وصلت وقالتلها: “شيرين! يا حبيبتي حمد الله على السلامة!”

شيرين دي كانت في منتصف الثلاثينات كدة.

شيك جداً..

هادية..

فستان كريمي..

وشعرها الأسود الملموم على جنب.

وفي إيدها اليمين، كانت لابسة غوايش دهب ضيقة على شكل تعبان ملتف حوالين نفسه.

أنا شفت الأسورة دي قبل كده!

مش في الحقيقة..

في صور.

صور مراقبة وتحريات.

الصور دي كانت متصورة بره مطعم خاص في التجمع الخامس من أربع شهور، كجزء من تحقيق قضية تفكيك شبكة فساد وتربّح في توريدات الدفاع.. قضية مكانش المفروض أبداً أتقاطع معاها اجتماعياً.

الست اللي كانت في الصور دي كانت متسجلة عندنا كـ “مجهولة الهوية”، مرافقة لمسؤول في شركة توريدات.

وشها مكانش باين أوي في الصور..

بس الأسورة كانت باينة جداً.

شغل هاند ميد عمومي: تعبان دهب وعيونه زمرّد خضر.

أنا فاكرة السلسلة دي بالذات لأن واحد من المحللين عندنا قعد يهرزر ويقول: “المفروض الناس اللي بتشتغل في الفساد والنصب يخفوا شوية من المجوهرات اللي تخليهم يترسموا في النيابة بسرعة!”

دلوقتي، الأسورة دي واقفة على بعد أمتار مني..

في حفلة ترقية جوزي!

حاجة جميلة.. جميلة جداً بصراحة.

وفجأة نادية وقفت..

خبطت بالمعلقة على كاس العصير:

” يا جماعة! بعد إذنكم!”

القاعة بدأت تهدى بالتدريج.

نادية ابتسمت لابنها بفتخر وقالت:

“أنا عارفة إن الضباط المفروض يكونوا متواضعين، بس الأمهات مش فرض عليهم التواضع!”

الناس ضحكت ضحكات مجاملة.

هشام بصلها بابتسامة دلع كده.

كملت نادية: “أنا طول عمري عارفة إن هشام هيبص لفوق ويبقى حاجة كبيرة.. من وهو عيل صغير وهو شايل المسؤولية وعارف يعني إيه راجل.”

الابتسامات زادت.

فجأة، نادية لفت وبصلتي أنا بالذات وقالت:

“والحمد لله إن فيه حد في الجوازة دي عارف يعني إيه مسؤولية وشايل البيت!”

كام واحد ضحكوا التلقائية كده.. بس ضحكهم اتحدد وسكتوا أول ما استوعبوا إنها بتتكلم بجد ومش بتهزر!

نادية رفعت كاسها لفوق أكتر وقالت بصوت عالي:

“على الأقل الليلة دي أخيراً عن ابني! مش عن نوران اللي قاعدة في البيت بتبعزق في فلوسه ومقضياها حجة إن صحتها تعبانة ومش قادرة تشتغل!”

إلجزء الثاني

وبرضه هشام ما نطقش بكلمة.

ولا حتى كلمة واحدة!

بدل ما يدافع عني، رفع كاسه وبص للحضور وادّاهم ابتسامة صغيرة بقلة حيلة..

كأنه الزوج الصبور المظلوم!

كأنه بقاله سنين متحمل قرفي وعصبيتي ومقدر ظروفي!

في اللحظة دي بالذات، في حاجة جوايا هديت تماماً.. هدوء مرعب.

فتحت شنطة إيدي الصغيره (الكلتش)..

جواها كان فيه تليفوني المشفر المخصص للشغل، ومحفظة الكارنيهات الرسمية، وكارت الاسم الصغير اللي كان محطوط على الترابيزة قدامي.

طلعت الكارت.

مكتوب عليه: “مدام نوران عبدالرحمن”.

مفيش أي حاجة تانية..

لا رتبة.. لا تاريخ.. ولا أي إشارة لحياتي وشغلي قبل ما أتجوز هشام.

بالظبط زي ما هو كان بيحب ويحب يظهرني!

قلبت الكارت على ظهره..

واستلفت القلم بتاع الفندق اللي كان محطوط جنب طبقه..

وكتبت ثلاث كلمات بالظبط:

“تأكيد وقف الترقية.”

وبعدين زقيت الكارت وحطيته تحت كوباية المية بتاعتي.

هشام لمحني وأنا بكتب.

ملامحه اتغيرت في ثانية:

* “كتبتي إيه عندك؟”

* “حاجة ما تشغلش بالك بيها.”

* “يعني إيه ما تشغلش بالي؟”

نادية حماتي كانت لسه نازلة رغي وشرشحة، بس هشام مكانش سامعها أصلاً خلاص.

عينيه أضيقت وهو بيبصلي.. ولأول مرة من بداية الليلة، التردد والخوف ظهروا في عينيه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى