
2
ترقية جوزي – محمد نور
لأنه عارفني كويس وفاهم حاجة واحدة:
أنا مش زعلانة..
أنا مستعدة ومجهزة خطوتي الجاية!
نادية أخدت بق عصير كمان وقالت بثقة:
* “المفروض تبوسي إيدك وش وظهر إن ابني اتجوزك.. لو مش هو، كان زمانك مش عارفة عايشة إزاي ولا فين!”
قمت وقفت.
كل المهرجانات والكلام اللي كان داير في القاعة اختفى فجأة.. القاعة سكتت.
سويت طرف فستاني الكحلي الهادي وقُلت بصوت واطي بس مسموع:
* “أنا بقالي ست سنين بشكر الناس بأفعالي وبشغلي.. وما أفتكرش إن عليّا أي كلمة أو خطبة مديونية لأي حد الليلة دي.”
نادية لوت بقها وبصت للسقف:
* “أهو بدأت تاني.. طول عمرها عايشة في دور إنها مهمة وعندها كيان!”
كنت خلاص هبتسم..
بس في اللحظة دي، أبواب القاعة الرئيسية اتفتحت.
عزف الكمانات اتوقف تماماً.
ودخل راجل برتبة كبيرة ببدلته العسكرية الكاملة ونياشينه..
العميد دانيال رفيق.. القائد الجديد بتاع هشام.
وداخل وراه اثنين ضباط حراسة.
هشام وقف في ساعتها انتباه..
ومعاه تقريباً كل الضباط والعسكريين اللي كانوا في القاعة.
وش نادية حماتي تنور وفرحت جداً ووطت تهمسلي بثقة:
* “شايفة؟ أهو جاي بنفسه عشان يهني هشام بالترقية مخصوص!”
العميد دانيال مشي بثبات في وسط القاعة..
مستقيم في اتجاه الطاولة بتاعتنا بالظبط.
هشام فرد ظهره وشد كتفه، وجاهز بابتسامته..
العميد دانيال عدى من جنبه وكأنه مش شايفه اصلاً!
ووقف قدامي أنا بالظبط.
قفل قدميه على بعض بصرامة، وجسمه اتشد انتباه بالكامل..
ورفع إيده فوق بضربة تعظيم سلام عسكرية مفيهاش غلطة:
* “المقدم نوران!”
القاعة كلها كان أكن الهواء اتقطع منها.. محدش قادر يتنفس!
* “بعتذر لحضرتك على مقاطعة الحفلة يا فندم، بس القيادة العامة طالبة تدخل سيادتك فوراً.”
هشام وشه بقى أصفر زي الليمونة..
وكاس الشربات في إيد نادية بدأ يترعش ويخبط في أسنانها.
رديت عليه ضربة تعظيم السلام بصرامة وقار:
* “استريح يا سيادة العميد.”
العميد دانيال نزل إيده، وفتح الفولدر الجلد اللي في إيده..
وطلع منه ظرف مقفول بالشمع الأحمر.
* “فيه موضوع تاني يا فندم لازم أبلغك بيه.”
صوته كان حازم وهادي، بس واصل لكل القاعة:
* “جالي تعليمات رسمية بإبلاغ سيادتك إنه تم إيقاف ترقية الرائد هشام عبدالرحمن مؤقتاً لحين الانتهاء من التحقيقات في المراجعة السرية اللي تحت إشراف سيادتك.”
* “مستحيل.. ده جنان!”
* “لا مش جنان يا هشام.”
* “أنتِ مش في الخدمة اصلاً!”
* “أنا في الخدمة برتبة مقدم.”
* “أنتِ قايلالي إنك بتشتغلي من البيت استشارات!”
* “أنا قُلتلك إن شغلي متعلق بالأمن المائي والقومي والرقابة، أنت اللي استسهلت وقررت تتخيل وتألف الباقي من دماغك!”
عينيه بدأت تلف في القاعة بسرعة..
الناس كلها كانت بتبصله..
مش بنظرة إعجاب وتقدير زي ما كان متعود..
كانوا بيبصوله بنظرة شفقة وتشفّي وتدقيق!
والفرق ده كان بيموّت هشام.. البانيك والخوف بدأوا يركبوه.
* “من إمتى الكلام ده؟!”
* “من ست سنين.”
ضحك ضحكة مكسورة وقصيرة:
* “يعني أنتِ فهماني إنك بقالك ست سنين شغالة في الجيش والمخابرات في السر وأنا مش عارف؟!”
* “مش في السر.. شغلي كان في قطاع جغرافيا وإدارة مشفرة ومغلقة، وفيه فرق كبير جداً بين الاثنين يا هشام. أنت كنت عارف إن عندي تصريح أمني عالي، وعارف إن بيجيلي مكالمات مؤمنة، وعارف إن فيه أوضة في بيتنا ممنوع قانوناً تفتحها أو تدخلا.. أنت اللي عمرك ما سألت!”
* “أنا جوزك!”
* “أيوة.. جوزي.”
سبت الكلمة تعلّق في الهواء بينّا..
* “جوزي.. بس ده ما يديكش التصريح الأمني إنك تعرف تفاصيل أسرار أمن دولة.”
الكلمة وجعته في كبريائه.. ممتاز!
مش لأنني عاوزة أنتقم منه..
بس لأن ولأول مرة، هشام كان بيتجبر يفهم إن كونه “زوج” ما يديهوش الحق بامتلاك كل شبر في حياة مراته وأسرار شغلها لحسابه الخاص.
قبل ما أتجوز هشام بسنين، كنت ظابطة في جهاز الاستخبارات والمراجعة.
وبعد ما عملنا عملية في الخارج وانكشف فيها اثنين من زمايلنا، اتنقلت لقطاع الرقابة الخاصة وإدارة الوصول المشفر.
الضباط في القطاع ده بيشتغلوا بطريقة مختلفة خالص:
بياناتنا ممسوحة من السجلات العامة العادية..
سيرتنا الذاتية المعلنة بتبقى روتينية ومملة جداً وغير ملفتة للنظر.
ولما اتجوزت هشام، وبما إن شغله في سلاح ثاني خالص ومش مرتبط بقطاعي، هو أخد بس المعلومات المسموح له قانوناً يعرفها:
إني شغالة في جهة سيادية..
عندي تصريح أمني نشط..
وسفريات شغلي مش دايماً ينفع أشرحها.
هشام عمره ما دقق في التفاصيل المفقودة دي.. بل بالعكس، هو فضّل كده!
مع الوقت، بدأ يقول للناس إني سبت الشغل خالص عشان متفرغة له.
في الأول كنت بصححله.. فكان يضحك ويقول: “أصلها بتعمل مشاريع صغيرة من البيت كده تسلية!”
شهقة همس مشيت في القاعة كلها..
أكتر من خمسين بني آدم بيحاولوا يكتّموا نفسهم في نفس اللحظة!
هشام كان بيبص للعميد دانيال وهو مذهول..
وبعدين بصلي أنا..
وبعدين للظرف الظرف الأحمر.
* “مـ.. مقدم؟”
صوته كان بالعافية طالع ومقطوع.
* “نوران الألفي؟”
أخدت الظرف من العميد وقُلت:
* “شكراً يا سيادة العميد.”
وبعدين لفيت وبصيت لجوزي وقُلت ببرود:
* “تهيألي جه دوري أنا بقى عشان أتكلم!”
لمدة ثواني طويلة، محدش في القاعة أتحرك..
فرقة العزف اتجمدت وهي بتقلّب نوتة الموسيقى..
الويتر واقف جنب الدفاية ماسك الصينية بإيديه الاثنين ومسمر في أرضه..
خاتم نادية حماتي كان بيريّن على كاسها.. مرة.. مرتين.. من كتر ما إيدها بترتعش.
هشام كان بيبصلي وكأن الست اللي واقفة جنبه دي اتستبدلت بحد تاني خالص!
كرر كلمته بصوت ميت:
* “المقدم نوران؟”
العميد دانيال ما ردش عليه وسابه يسأل.. وأنا قدرت للعميد الموقف ده جداً.
بصيت للعميد وسألته:
* “تم إبلاغ القيادة ببدء الإجراءات؟”
* “تمام يا فندم.”
* “والأمن؟”
* “في أماكنهم ومستعدين.”
في الناحية التانية من القاعة، شيرين أتحركت خطوة واحدة لورا..
خطوة صغيرة جداً، بس أنا لقطتها.. والعميد لقطها برضه.
واحد من الضباط المساعدين للعميد أتحرك بهدوء ووقف عند أبواب القاعة.
شيرين اتسمرت مكانها.
هشام شاف اللقطة دي هي كمان.
زعق بصوت أعلى ومرتبك:
* “هو إيه القرف اللي بيحصل هنا ده بالظبط؟!”
تفت وحطيت عيني في عينيه وقُلت:
* “وطي صوتك وأنت بتتكلم!”
الأمر طلع مني قبل ما أفكر..
مش كـ زوجة بتكلم جوزها..
كـ ظابط كبير بيدي أمر لمرؤوس!
هشام أطاع الأمر فوراً وبدون تفكير وسكت!
وده اللي صدمه وزلزله أكتر من أي حاجة تانية حصلت في الليلة.
نادية هبدت كاسها على الترابيزة بغل:
* “ده جنان وررخص! اتكلم يا هشام.. قولهم مين دي وفهمهم!”
* “أمي.. اسكتي وحياة أبوي!”
* “لا مش هسكت! هي فاكرة نفسها مين دي عشان تتكلم بالطريقة دي؟!”
العميد دانيال بص لنادية بحزم وضبط نفس عسكري:
* “يا مدام.. أنصحك تفضلي قاعدة مكانك وما تتكلميش.”
نادية برقتله وقالت:
* “أنت لسه ضاربلي تعظيم سلام حالا!”
* “تمام يا فندم..لأنها أعلى مني ومن ابنك في الرتبة!”
الكلمة نزلت على دماغم زي الصاعقة.
نادية فتحت بقها، ومفيش ولا حرف طلع منه.
وش هشام تحول من الأصفر للرمادي الميت:
وبعدينقت بقت: “نوران مش شغالة اليومين دول وشايفة بيتها.”
وبعدها: “أصل صحتها تعبانة ومش حابة وُجع الدماغ.”
ولحد ما وصلت لـ: “أنا اللي شايل البيت ومتكفل بكل حاجة وهي قاعدة!”
كل رواية كان بيألفها كانت بتخليه يبان كريم أكتر.. ناجح أكتر.. وهو الراجل اللي مفيش منه اثنين.
أنا شفته وهو بيبني الخرافة دي عزومة ورا عزومة.. وشفته وهو بيبدأ يصدق الكذبة اللي ألفها بنفسه!
بس فيه حاجة واحدة هشام مكانش يعرفها خالص:
من سنتين، أنا اترقيت لرتبة مقدم.. المقدم نوران الألفي.
أنا احتفظت باسم عيلتي “الألفي” في الشغل لأن تاريخي الأمني وملفاتي السرية مربوطة باسمي ده، وقسيمة الجواز غيرت اسمي الاجتماعي بس، لكن ما مسحتش تاريخي العسكري وشغلي!
بصلي هشام بغضب وقال:
* “أنتِ سبتيني أبان زي العبيط قدام الناس!”
حواجبي اترفت بذهول:
* “أنا اللي سبتك؟!”
* “كنتِ تقدر تقولي للناس وتعرفيهم!”
* “حاولت كتير يا هشام!”
سكت ومفيش رد.
افتكرت عزومة من ثلاث سنين مع قائد اللواء بتاعه.. القائد سألني عن شغلي، ولما بدأت أتكلم، هشام ضحك وحط إيده على كتفي وقال: “والله هي معظم وقتها بتقضيه تعيد ترتيب المطبخ وتنظيم البيت!”
الكل ضحك ساعتها.. وأنا ضحكت معاهم وقتها وتساهلت.. ومن يومها بطلت أحاول أوضح.
حماتي نادية لقيت صوتها وأتكلمت بشر:
* “حتى لو عندك شغلانة سرية ولا غيره، ده ما يديكي إكي الحق إنك توقفي ترقية ابني وتبوظي فرحته!”
وش العميد دانيال اتغير وقالك بحزم:
* “يا مدام نادية—”
قاطعه بهدوء:
* “تمتم يا سيادة العميد، أنا هرد عليها بنفسي.”
لفيت لنادية وقُلت:
* “أنا ما وقفتش ترقية هشام يا نادية.”
* “أومال إيه اللي كتبتيه على الكارت ده?!”
* “أنا كتبت التأكيد لأن التقرير والقرار جالي رسمي قبل العشاء بالظبط!”
عين هشام راحت بسرعة للكارت اللي تحت كوباية المية..
كملت كلامي:
* “فيه تحقيقات أنا بشرف عليها في قضية فساد وتوريدات.. ولما اسم الرائد هشام عبدالرحمن ظهر في المستندات والأوراق المتعلقة بالقضية دي، أنا بلغت فوراً عن وجود تعارض مصالح ورفعت إيدي تماماً عن اتخاذ أي قرار يخصه بنفسي.”
العميد دانيال أومأ برأسه وقال:
* “أمر إيقاف الترقية صدر مباشرة من القيادة العامة بعد مراجعة الشئون القانونية والجهات المباشرة.”
بصيت لهشام وقُلت:




