
فضلت جنبه أيام طويلة، وفي كل مرة كانت ترجع المزرعة، كانت أول حاجة تعملها إنها تدخل الإسطبل وتطمن على سنو.
كانت بتحضنه وتعيط في رقبته، وهو يفضل واقف جنبها من غير حركة، كأنه حاسس إن البنت اللي طول عمرها بتضحك بقت شايلة حزن أكبر من قدرتها.
وبعد أسابيع من العلاج، رحل محمود.
ليلى حسّت
إن الأرض انسحبت من تحت رجليها.
أبوها ما كانش مجرد أب بالنسبالها؛ كان صاحبها، ومعلمها، والإنسان الوحيد اللي كان دايمًا بيحسسها إنها مهما ضعفت، فيه حد هيقف جنبها.
بعد رحيله، اكتشفت إن الديون اللي سابها كانت أكبر بكتير
مما كانت متخيلة.
حاولت تتمسك بالمزرعة، واشتغلت بكل طاقتها، لكنها كانت صغيرة على إنها تواجه كل المشاكل دي لوحدها.
وفي يوم، وصل لها إنذار قانوني بخصوص جزء من الديون، وبعده بفترة قصيرة، اضطرت تبيع الأرض والمزرعة.
كانت دي أصعب لحظة في حياتها.
وقفت في وسط الإسطبل، وبصت لسنو اللي كان قرب يكمل خمس سنين، وقالت له وهي بتمسح على رقبته
سامحني يا حبيبي. أنا مش عارفة هعمل إيه.
كانت عارفة إنها مش هتقدر تاخده معاها للمكان الصغير اللي هتعيش فيه، ومش هتقدر تتحمل مصاريفه.
حاولت تدور له على مكان كويس، واتكلمت مع أكتر من صاحب مزرعة.
وفي النهاية، ظهر فؤاد مرة تانية.
عرض عليها مبلغًا مقابل سنو، ووعدها إنه هينقله لإسطبل محترم، وإنه هيهتم بيه بنفس الطريقة اللي كانت بتعامله بيها.
ليلى كانت مترددة، لكن ما كانش قدامها اختيارات كتير.
سألته أكتر من مرة
إنت متأكد إنك مش هتبيعه لحد يعامله بقسوة؟
فؤاد رد بثقة
اعتبريه في أمان. أنا عارف قيمة الخيل الأصيلة، ومستحيل أضيّع حصان بالقيمة دي.
ليلى صدقته.
وفي يوم رحيل سنو، جابت له تفاحة، ونظفت شعر رقبته، وفضلت واقفة قدامه وقت طويل.
لما العامل جه عشان ياخده، سنو رفض يتحرك.
شد الحبل، لكن الحصان ثبت رجليه في الأرض، وفضل يبص لليلى.
هي قربت منه، وحطت جبهتها على جبهته.
روح يا سنو. أنا عايزاك تعيش كويس، حتى لو مش معايا.
وبصوت مكسور، همست
هفضل أدور عليك. أوعدك.
سنو أخيرًا اتحرك، لكنه فضل يلتفت ناحيتها كل شوية.
ولما المقطورة اختفت في آخر الطريق، ليلى وقعت على ركبتيها وعيطت.
ما كانتش تعرف إنها مش بتودع حصانها بس.
كانت بتودع آخر حاجة فاضلة لها من أبوها.
الفصل الثالث إزاي سنو اتحول لصعب التعامل؟
في البداية، سنو راح لمزرعة كبيرة خارج القرية.
لكن المزرعة ما كانتش زي ما ليلى تخيلت.
فؤاد كان بيشتري الخيول ويبيعها بسرعة، وما كانش عنده استعداد يضيع وقت في التعامل مع حصان محتاج رعاية وصبر.
كان عايز سنو يتدرب بسرعة، ويقبل السرج واللجام، ويشارك في عروض الخيول عشان يبيعه بسعر أعلى.
لكن سنو ما كانش متعود على الأسلوب ده.
كان محتاج وقت عشان يثق في الشخص اللي بيتعامل معاه، ومحتاج حد يقرب منه بهدوء.
أما المدرب اللي استلمه، فكان مقتنع إن الحصان العنيد لازم يتكسر خوفه.
كل ما سنو يرفض، المدرب كان يعاقبه.
وكل ما الحصان يحاول يهرب، كانوا يزودوا الضغط عليه.
في البداية، سنو كان بيحاول يبعد عنهم.
بعدها بدأ يرفس، ويعض، ويجري ناحية الأبواب.
ولما كان حد يرفع إيده فجأة، حتى لو كان عايز يبعد عنه ذبابة، كان سنو يتراجع بعنف، ويدور على أي مخرج يهرب منه.
لكن بدل ما يفهموا إنه قلقان، كانوا بيقولوا إنه حصان شرس ولازم السيطرة عليه.
وبمرور الوقت، بقى كل اقتراب بالنسبة له ضغطًا.
كل حبل كان بيشوفه كان بيفكره بالتقييد.
كل إيد مرفوعة كانت بتفكره بالتعامل القاسي.
وكل باب يتقفل وراه كان بيحسسه إنه محبوس ومش هيقدر يهرب.
بدأت تظهر الندوب على جسمه.
بعضها كان نتيجة احتكاكه بالحواجز وهو بيحاول يهرب، وبعضها من إصابات حصلت أثناء التعامل العنيف معاه.
ولما بقى صعب التعامل مع العاملين، فؤاد قرر يبيعه.
اشتراه رجل عنده إسطبل تاني، لكنه بعد أسابيع قليلة اكتشف إنه مش قادر يقرب منه بأمان.
رجّعه.
وبعده اشتراه شخص تالت، كان متخيل إنه هيقدر يسيطر عليه بخبرته.
لكن سنو اندفع نحوه في أول محاولة لربطه، فقلق منه وباعه بخسارة.
اتنقل الحصان من مكان للتاني، وكل مالك جديد كان بيشوف الندوب ويستغرب، لكنه ما كانش بيسأل عن السبب الحقيقي وراها.
كان كل واحد بيشوف النتيجة النهائية، ويحكم على سنو إنه صعب التعامل.
ومع كل تجربة فاشلة، كانت ثقته في البشر بتقل أكتر.
في إحدى المزارع، حاول عامل شاب يمد إيده له عشان يحط له الأكل، لكن سنو اندفع نحوه.
العامل خرج وهو يصرخ
الحيوان ده غير متوقع! ده مستحيل يعيش وسط البشر!
ومن اليوم ده، بقى معظم العمال يرموا له الأكل من بعيد، ويقفلوا عليه الباب بسرعة.
ما بقاش حد يحاول يكلمه، ولا يلمس رقبته، ولا حتى يقف قدامه بهدوء.
الحصان اللي كان زمان بيحط راسه في حضن بنت صغيرة، بقى عايش في عزلة، محاطًا بالقلق وسوء الفهم.
وفي كل ليلة، لما الدنيا تسكت، كان يقف في إسطبله ويبص ناحية الباب.
يمكن كان مستني حد يرجع.
يمكن كان فاكر إن ليلى هتظهر فجأة، وتناديه باسمه القديم.




