
وفجأة.. صوت عربية شرطة وصل من بعيد.
محمود سكت ثانية.. اتنين.. وبعدين جري ناحية الباب.
لكن قبل ما يوصل له، سمعنا خبط شديد على الباب الأمامي:
“شرطة! افتح الباب!”
وش محمود اتغير، وقف في نص المطبخ وبص ناحيتنا، ولأول مرة من بداية الليلة ابتسم.. ابتسامة صغيرة خلت الدم يتجمد في عروقي، وقال:
“لو فاكرين إن الموضوع خلص كده.. أنتم لسه مش عارفين مين أنا.”
وبعدين مد إيده ناحية جيبه.
في اللحظة دي فهمت إن محمود كان مخبي حاجة أخطر بكتير من مجرد مادة حطها في الأكل.
أنا كنت لسه مغمضة عيني، لكن من بين رموشي شفته بيطلع موبايل صغير.
بص ناحية الباب.. الخبط زاد: “افتح الباب فورًا!”
محمود ما ردش، بدل كده قرب مني وانحنى وهمس عند ودني:
“عارف إنك سامعاني يا سارة.”
اتحبس نفسي.. هو عرف؟!
فضل ساكت ثواني وبعدين ضحك: “كنت مستني أشوف هتفضلي تمثلي لحد إمتى.”
فتحت عيني فجأة، وفي نفس اللحظة آدم قام من الأرض.
محمود رجع خطوة للخلف، بص لنا وقال: “أخيرًا.”
صرخت: “ابني!”
لكن محمود ما حاولش يقرب، بالعكس.. رفع إيده وقال: “متخافيش.. أنا مش جاي أأذيكم.”
بصيت له بصدمة: “مش جاي تأذينا؟! إنت حطيت حاجة في الأكل!”
اتغيرت ملامحه وقال: “أنا؟”
وقتها فهمت إن في حاجة غلط.
محمود أشار ناحية الأكل وقال: “أنا فعلًا كنت عايزكم تفتكروا إني عملت كده.. بس اللي حصل الليلة دي أكبر مني ومنك.”
الخبط على الباب رجع تاني: “افتح!”
محمود بص لي وقال: “لو دخلوا دلوقتي، كلنا هنضيع.”
صرخت: “دول الشرطة!”
قال بهدوء: “مش الشرطة اللي إنتِ فاكرة.”
وقبل ما أستوعب كلامه.. النور قطع.. المطبخ غرق في الضلمة.
آدم مسك إيدي بقوة، ومن الصالة سمعنا صوت باب بيتفتح، وبعدين صوت راجل غريب بيقول: “فتشوا البيت كله.”
محمود قرب مني وهمس: “دلوقتي صدقتيني؟”
وبص ناحية باب المطبخ، ثم قال: “اللي حط المادة في الأكل مش أنا.”
سألته وأنا بالكاد قادرة أتكلم: “أمال مين؟”
رفع عينه عليّ وقال: “الشخص اللي أنا كنت بحاول أحميكم منه من البداية.”
وفجأة.. سمعنا صوت تكسير زجاج من ناحية الصالة.
آدم شهق.. ومحمود شدنا ناحية الحائط، وبصوت منخفض جدًا قال: “مهما حصل، ما تخرجيش من هنا.”
لكن قبل ما يكمل جملته.. ظهر ظل شخص عند باب المطبخ ورفع كشافه في وشنا، ثم قال: “لقيناهم.”
الراجل وقف عند باب المطبخ، والكشاف في إيده كان مسلط على وشوشنا.
محمود حط نفسه قدامنا فورًا: “متقربش منهم.”
الراجل ضحك: “لسه بتلعب دور الزوج الحنين؟”
اتجمدت مكاني.. محمود بص له بحدة: “امشي من هنا يا حسام.”
حسام؟!
الاسم نزل عليّ كالصاعقة.. أنا عمري ما سمعت محمود يجيب سيرة الشخص ده.
حسام قرب خطوة وقال: “خلاص يا محمود.. اللعبة انتهت.”
بصيت لجوزي: “إنت تعرفه؟”
محمود ما ردش.
حسام رفع إيده، وفيها ظرف بني، وقال: “وهي كمان لازم تعرف الحقيقة.”
رمى الظرف على الأرض.. وقع قدام رجلي مباشرة.
بصيت له: “إيه ده؟”
حسام قال: “افتحيه.”
محمود صرخ: “متفتحيهوش!”
بصيت لمحمود، وبعدين للظرف.. وفي اللحظة دي فهمت إن الاتنين مخبيين عني حاجة.
مديت إيدي ببطء وفتحت الظرف.. طلعت منه صور.
الصورة الأولى كانت ليا وأنا خارجة من الشغل.
الصورة التانية لآدم قدام المدرسة.
والتالتة.. كانت ليا أنا ومحمود وإحنا داخلين بيتنا.
اتخضيت: “إنت كنت بتراقبنا؟!”
حسام هز راسه: “أنا مش اللي كنت بيراقبكم.”
بصيت له بعدم فهم: “أمال مين؟”
حسام أشار للصورة الأخيرة.. كان فيه شخص واقف بعيد في خلفية الصورة.. وشه مش واضح، لكن هدومه خلتني أحس إن قلبي وقع في رجلي؛ لأنني كنت شايفة نفس الجاكيت ده قبل كده.. في يوم وفاة والدي.
قلت بصوت مرتعش: “أنا أعرف الشخص ده.”
محمود قرب مني: “سارة..”
لفيت له بسرعة: “إنت كنت عارف؟”
سكت.. وده كان كفاية.
صرخت فيه: “كنت عارف إن حد بيراقبنا وسكت؟!”
قال: “كنت بحاول أحميك.”
ضحكت من شدة الصدمة: “تحميني؟! إنت اللي خليتني أعتقد إنك هتقتلني!”
رد بصوت مكسور: “لأن لو كنت عرفتِ الحقيقة من البداية.. كانوا هيقتلوك فعلًا.”
وفجأة.. اتسمع صوت ارتطام قوي بالباب الخلفي.
حسام لف ناحية الصوت: “هما رجعوا.”
محمود قال: “خد سارة وآدم واخرجوا من الباب الجانبي.”
حسام بص له: “وإنت؟”
محمود سحب نفس طويل: “أنا هعطلهم.”
مسكت إيده قبل ما يتحرك، ولأول مرة من بداية الليلة بصيت في عينيه من غير خوف: “مش هتروح لوحدك.”
ابتسم بحزن: “لو جيتي معايا، ممكن متخرجيش.”
وقبل ما أرد.. وصلني صوت من خارج البيت: “محمود! إحنا عارفين إنك جوه!”
ثم صوت تاني قال: “ومعاك سارة وابنها.”
سكتنا جميعًا.. لأن الشخص اللي بره نطق اسمي بنفس الطريقة اللي كان والدي بيناديني بيها.
محمود بص لي ووشه اتغير تمامًا: “سارة.. إنتِ سمعتي اللي أنا سمعته؟”
هزيت راسي: “أيوه.”
حسام قرب من الباب وحط ودنه عليه.. الصوت جه تاني: “سارة.. افتحي، أنا عارف إنك جوه.”
آدم شد في هدومي وهمس: “ماما.. ده صوت جدو؟”
بصيت له بسرعة.. آدم كان بيبص ناحية الباب وعينيه مليانة خوف: “إنت فاكر صوت جدو؟”
هز راسه: “أيوه.. هو كان بيقول لي كده قبل ما يموت.”
محمود قرب مني وقال: “أبوكي مات من ست سنين.”
قلت: “عارفة.”
“يبقى مستحيل يكون هو.”
لكن حسام كان ساكت، وفجأة قال: “مش مستحيل.”
بصينا له إحنا الاتنين.. طلع من جيبه ورقة مطوية ومدها لمحمود.
محمود فتحها.. قرأ أول سطر ووشه شحب.
خطف الورقة منه: “مين بعتها لك؟”
حسام رد: “نفس الشخص اللي بعت الصور.”
مديت إيدي: “وريني.”
محمود حاول يمنعني، لكنني خطفت الورقة منه.
كان مكتوب فيها: “لو سارة عرفت إن والدها لسه عايش.. محمود مش هيقدر يحميها.”
وقعت الورقة من إيدي.
آدم بص لي: “ماما.. يعني جدو عايش؟”
محمود قرب مني بسرعة: “اسمعيني.. لازم تثقي فيا للمرة الأخيرة.”
رجعت خطوة للخلف: “بعد كل اللي حصل؟”
قال: “أنا ما حطتش حاجة في الأكل.”
حسام قاطعه: “دي أول حاجة لازم تعرفها.”
بصيت له: “وإيه الحاجة التانية؟”
حسام أخذ نفسًا عميقًا: “إن محمود هو اللي اتصل بالشرطة.”
اتجمدت: “إيه؟”
قال: “المكالمة اللي سمعتيها قبل ما يرجع البيت ما كانتش مع شخص بيخطط يخلص منكم.”
بصيت لمحمود: “كنت بتكلم مين؟”
قال بهدوء: “النيابة.” وسكت لحظة ثم أكمل: “وكنت ببلغهم إن حد حاول يسممك إنتِ وآدم، وإن الشخص اللي ورا الموضوع هو نفس الشخص اللي قتل أبوكي من ست سنين.”
وفجأة، الباب الخلفي بدأ يتفتح ببطء.
محمود رفع إيده لنا: “محدش يتحرك.”
لكن الباب اتفتح فعلًا.. وظَهَرَ رجل في الأربعينيات تقريبًا، نظر إليّ مباشرة ثم ابتسم وقال: “وحشتيني يا بنتي.”
آدم صرخ: “جدو!”
أما أنا.. فلم أستطع حتى التنفس؛ لأن الرجل اللي أمامي كان يحمل نفس الشامة الموجودة في آخر صورة لوالدي، لكن والدي كان قد دُفن أمام عيني!
محمود اقترب مني وهمس: “دلوقتي بس هتعرفي ليه أبوكي اختفى من حياتك كل السنين دي.”
الرجل وقف مكانه وعينيه ما فارقتش عيني.. أنا كنت عاجزة عن الكلام.
آدم قرب منه خطوة وقال: “جدو؟”
الرجل فتح دراعه، لكن محمود وقف بينه وبين آدم: “استنى.”
الرجل بص لمحمود وقال: “لسه مش واثق فيا؟”
محمود رد بحدة: “بعد ست سنين اختفاء؟ لأ.”
اتنفض قلبي.. بصيت للرجل وقلت: “لو إنت أبويا فعلًا.. قولي حاجة محدش يعرفها غيري وغيرك.”
سكت، ثم قال: “يوم ما كنتِ عندك تسع سنين، كنتِ بتستخبي تحت السرير بعد ما اتخانقتِ معايا، وفضلتي تعيطي لأنك كنتِ فاكرة إني هسيب البيت ومش هرجع.”
دموعي نزلت غصب عني.. الجملة دي فعلًا محدش يعرفها.
قربت منه خطوة: “بابا؟”
مد إيده، لكن قبل ما ألمسه.. حسام صرخ: “انزلي!”
شدني محمود على الأرض.. طلقة خبطت في الحائط فوقنا.
آدم صرخ، والرجل اللي قدامنا انحنى وصرخ: “اطلعوا من الباب الجانبي!”
حسام جري ناحية الممر، لكن قبل ما يتحرك سمعنا صوت عربيات كتير بره.
محمود بص من الشباك وقال: “وصلوا.”
قلت: “مين؟”
بص لي: “الناس اللي كانوا بيراقبوك من شهور.”
وبعدين أشار لأبويا: “وأبوك مش رجع عشان يطلب السماح.”
أبويا بص لي بحزن: “رجعت عشان أقول لك إن حياتك كلها مبنية على كذبة.”
اتجمدت: “كذبة إيه؟”
أبويا قرب مني وقال: “محمود مش هو الشخص اللي تفتكريه.”
بصيت لجوزي.. محمود ما حاولش ينكر، بس قال جملة واحدة: “عشان كده كنت بحاول أحميكي.”
سألته: “من مين؟”
وقبل ما يرد.. رنّ تليفوني.



