روايات وقصص

الحصان

لكن الليالي كانت بتمر، ومحدش بييجي.

ومع مرور السنين، بدأ الناس ينسوا إنه كان يومًا حصانًا هادئًا.

كل اللي عرفوه عنه إنه صعب التعامل، ومحدش عايز يشتريه.

الفصل الرابع مزاد الفرصة الأخيرة

بعد سلسلة طويلة من الملاك اللي فشلوا في التعامل معاه، وصل سنو إلى مركز لبيع الخيول المستعملة.

المركز ده كان بينظم مزادات أسبوعية، بيعرض فيها الخيول اللي أصحابها عايزين يبيعوها.

كان فيه خيول سباق، وخيول للركوب، وخيول صغيرة للمزارع، لكن سنو كان حالة مختلفة تمامًا.

طوله وضخامته كانوا يلفتوا النظر، ولونه الأبيض كان لسه جميلًا رغم الندوب اللي غطت جسمه.

لكن أول ما يشوف حد بيقرب منه، كان بيشد جسمه ويتوتر.

ولو حد حاول يمسك اللجام، كان ممكن يندفع نحوه.

العاملون في المركز كانوا عارفين إن بيعه مش هيكون سهل، وإنهم لازم يتخلصوا منه قبل ما يتسبب في إصابة حد تاني.

قرروا يعرضوه في مزاد يوم السبت، وحطوا له رقم 27.

في صباح اليوم المحدد، بدأ الناس يتوافدوا على المكان.

كان فيه تجار خيول، ومربين، وأصحاب مزارع، وبعض المتفرجين اللي بييجوا عشان يشوفوا العروض.

ليلى، في الوقت ده، كانت عايشة في بلدة تانية، وبتشتغل في عيادة صغيرة لرعاية الحيوانات.

ما كانتش طبيبة بيطرية، لكنها اشتغلت مساعدة لسنين، وكانت بتحب الحيوانات وبتعرف تتعامل معاها بصبر.

ورغم إن حياتها بدأت تستقر، فإنها ما نسيتش سنو أبدًا.

كانت محتفظة بصورة قديمة ليها معاه، وهو لسه مهر صغير، في درج مكتبها.

كل ما تتعب أو تحس إنها لوحدها، كانت تطلع الصورة وتفتكر أيام المزرعة.

وكانت لسه بتدور عليه كل ما تسمع عن مزرعة باعت خيولًا في المنطقة.

لكن سنو اختفى من سجلات الملاك أكتر من مرة، لدرجة إنها فقدت الأمل إنها تلاقيه.

قبل المزاد بأيام، سمعت من أحد العاملين في سوق الخيول عن حصان أبيض ضخم عنده ندوب، وإن محدش قادر يتعامل معاه.

وصفه كان مألوفًا بشكل غريب.

ولما عرفت إنه هيتعرض للبيع في المزاد يوم السبت، قررت تروح بنفسها.

ما كانتش متأكدة إنه سنو، لكنها كانت محتاجة تشوفه بعينيها.

وصلت للمكان قبل بدء المزاد بوقت قصير.

كانت لابسة بنطلون جينز قديم، وجزمة متينة، وجاكيت عسكري باهت كانت بتلبسه في شغلها بالمزارع.

دخلت بين الناس، وبدأت تسأل عن الحصان رقم 27.

واحد من العمال بص لها باستغراب.

إنتِ جاية تشتريه؟

ليلى ردت

أنا جاية أشوفه الأول.

الراجل ضحك ضحكة قصيرة.

نصيحة مني، شوفي أي حصان تاني. ده مش مناسب لحد.

لكن ليلى ما ردتش.

كانت عايزة تشوفه بنفسها.

بعد دقائق، سمعوا صوت باب حديد بيتفتح، وظهر سنو في الممر المؤدي للحلبة.

ليلى حست إن قلبها وقف.

كان أكبر مما تتذكره، وجسمه اتغير، والندوب غطت جانبيه ورقبته.

لكن عينيه

عينيه كانوا نفسهم.

نفس اللون الرمادي الفاتح اللي كانت بتشوف فيه انعكاس السما وهي صغيرة.

حطت إيدها على بقها، ودموعها لمعت في عينيها.

همست لنفسها

يا رب يكون هو.

لكن قبل ما تقدر تتأكد، سنو شد

2

الحصان صاحب الندوب

مما كانت متخيلة.

حاولت تتمسك بالمزرعة، واشتغلت بكل طاقتها، لكنها كانت صغيرة على إنها تواجه كل المشاكل دي لوحدها.

وفي يوم، وصل لها إنذار قانوني بخصوص جزء من الديون، وبعده بفترة قصيرة، اضطرت تبيع الأرض والمزرعة.

كانت دي أصعب لحظة في حياتها.

وقفت في وسط الإسطبل، وبصت لسنو اللي كان قرب يكمل خمس سنين، وقالت له وهي بتمسح على رقبته

سامحني يا حبيبي. أنا مش عارفة هعمل إيه.

كانت عارفة إنها مش هتقدر تاخده معاها للمكان الصغير اللي هتعيش فيه، ومش هتقدر تتحمل مصاريفه.

حاولت تدور له على مكان كويس، واتكلمت مع أكتر من صاحب مزرعة.

وفي النهاية، ظهر فؤاد مرة تانية.

عرض عليها مبلغًا مقابل سنو، ووعدها إنه هينقله لإسطبل محترم، وإنه هيهتم بيه بنفس الطريقة اللي كانت بتعامله بيها.

ليلى كانت مترددة، لكن ما كانش قدامها اختيارات كتير.

سألته أكتر من مرة

إنت متأكد إنك مش هتبيعه لحد يعامله بقسوة؟

فؤاد رد بثقة

اعتبريه في أمان. أنا عارف قيمة الخيل الأصيلة، ومستحيل أضيّع حصان بالقيمة دي.

ليلى صدقته.

وفي يوم رحيل سنو، جابت له تفاحة، ونظفت شعر رقبته، وفضلت واقفة قدامه وقت طويل.

لما العامل جه عشان ياخده، سنو رفض يتحرك.

شد الحبل، لكن الحصان ثبت رجليه في الأرض، وفضل يبص لليلى.

هي قربت منه، وحطت جبهتها على جبهته.

روح يا سنو. أنا عايزاك تعيش كويس، حتى لو مش معايا.

وبصوت مكسور، همست

هفضل أدور عليك. أوعدك.

سنو أخيرًا اتحرك، لكنه فضل يلتفت ناحيتها كل شوية.

ولما المقطورة اختفت في آخر الطريق، ليلى وقعت على ركبتيها وعيطت.

ما كانتش تعرف إنها مش بتودع حصانها بس.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى