
2
3 شهور حكايات زيزى
نزلت على دانيال كأن حد على صدره.
بصّ في وشوش ولاده، وافتكر آخر مرة قعد معاهم يلعب. حاول يفتكر آخر مرة سألهم فيها عن يومهم، أو حضنهم من غير ما يكون مستعجل على مكالمة أو اجتماع.
لكنه ما قدرش يفتكر بسهولة.
ومع ذلك، كان فيه شيء في كلامهم لسه مش مفهوم.
ماري لاحظت ده، فقالت لدانيال
يا أستاذ دانيال، أنا مش هقول لك إن كل تصرفاتهم صح. اللي عملوه في المربيات خطر، ولازم يتغير. لكن الطفل ساعات بيعرف يعبّر عن وجعه بطريقة غلط، خصوصًا لما ما يعرفش يشرح هو حاسس بإيه.
دانيال هزّ راسه ببطء، وبعدين نزل على ركبته قدام ولاده.
طيب، أنا هنا دلوقتي. قولوا لي إيه اللي مضايقكم، وأنا هسمعكم للآخر.
للحظة، التلاتة بصّوا لبعض، وبعدها الولد الأصغر سنًا في تصرفاته، رغم إنهم كلهم عندهم خمس سنين، جري ناحية درج صغير تحت مكتبة الصالون.
فتح الدرج، وطلع منه علبة خشب قديمة، كان دانيال فاكر إنها اختفت من يوم وفاة مراته.
الولد حطّها قدام أبوه وقال بصوت مرتعش
إحنا لقينا دي من فترة… وكنا عايزين نوريهالك، بس كل مرة كنا بنحاول، كنت بتكون مشغول.
دانيال مسك العلبة، وأول ما شاف العلامة المحفورة على غطاها، وشّه اتغيّر تمامًا!
دي كانت علبة مراته، سارة، اللي كانت محتفظة فيها بأهم حاجاتها.
إنتوا جبتوها منين؟!
الولد أشار ناحية الدور العلوي.
لقيناها في أوضة ماما القديمة، ورا الدولاب.
دانيال فضّل باصص للعلبة، وإيده بتترعش.
من يوم وفاة سارة، وهو قافل أوضتها، ومش بيسمح لأي حد يدخلها أو يغيّر فيها حاجة. حتى هو نفسه كان بيتجنب الاقتراب منها، لأن كل ركن فيها كان بيفكّره بمراته.
لكن السؤال اللي حيّره كان إزاي العلبة وصلت للدولاب، وهو كان متأكد إنها اختفت قبل كده؟
فتح الغطا ببطء.
جواها كان فيه شريط شعر صغير، وصورة عائلية قديمة، وورقة مطوية بعناية.
ماري لاحظت إن دانيال بقى شاحب، فسألته
حضرتك تعرف الورقة دي؟
دانيال ما ردّش.
فتحها، وبدأ يقرأ أول سطر، وفجأة حط إيده على بقه.
كانت رسالة بخط سارة.
لكن الغريب إن الرسالة ماكانتش موجهة ليه وحده… كانت مكتوبة لأولادها التلاتة!
قرأ دانيال بصوت مبحوح
حبايبي، لو في يوم حسّيتوا إن بابا بعيد عنكم، افتكروا إن…
وفجأة، وقف عن القراءة.
عينيه ثبتت على السطر اللي بعده، وكأنه اكتشف حاجة ماكانش مستعد يعرفها.
ماري ما ضغطتش عليه، لكن واحد من الولاد شدّ طرف قميصه وسأله
بابا… ماما كانت عارفة إنك هتبقى مشغول عننا؟
دانيال رفع عينيه ناحية ابنه، والدموع بدأت تتجمع فيها.
مش عارف يا حبيبي… مش عارف.
لكن قبل ما يكمل قراءة الرسالة، الولد التاني قال جملة خلت دانيال يلفّ ناحيته بسرعة
يا بابا، إحنا مش بس لقينا الرسالة دي… إحنا سمعنا حد في البيت بيتكلم عنها، وقال إنه لازم ياخدها قبل ما إنت تشوفها!
دانيال وقف فجأة.
مين؟! مين اللي قال كده؟!
التلاتة بصّوا ناحية باب المطبخ، ووشوشهم اتملّت بالخوف.
وبعدين الولد الأكبر همس
الشخص ده لسه موجود في القصر يا بابا!
دانيال قام، وضمّ الرسالة لصدره، وبصّ ناحية الممر المؤدي للمطبخ.
أما ماري، فلاحظت حاجة أخطر من كل اللي حصل من ساعة ما وصلت القصر…
الولاد التلاتة ماكانوش خايفين من إن أبوهم يعاقبهم المرة دي… كانوا خايفين إن الشخص اللي بيتكلموا عنه يعرف إنهم كشفوا سره!
يتبع…
دانيال اتحرك ناحية المطبخ بسرعة، لكن ماري وقفته قبل ما يوصل للباب، وقالت له بصوت واطي
استنى يا أستاذ دانيال… لو الشخص ده فعلًا مخبي حاجة، مينفعش نواجهه قبل ما نفهم الولاد شافوا إيه بالظبط.
دانيال بصّ لها بعصبية.
يعني إيه أستنى؟! فيه حد في بيتي بيخوف ولادي، وبيحاول يخبي عني رسالة مراتي!
ماري ردّت بثبات
وأنا مش بطلب منك تسكت. أنا بطلب منك ما تخليش خوفك وغضبك يخلّوك تتصرف من غير ما تعرف الحقيقة.
الكلام هدّاه شوية، فرجع قعد جنب الولاد، وحاول يتكلم معاهم بهدوء.
طيب، عايز كل واحد فيكم يحكي لي اللي شافه، من غير ما يقاطع التاني.
الولد الأكبر بدأ يحكي
من كام يوم، كنا بنلعب في الممر اللي جنب أوضة ماما، وسمعنا صوت من جوه الأوضة. افتكرنا إن فيه حد دخلها، فبصّينا من فتحة الباب.
دانيال سأله بسرعة
وشفتوا مين؟
الولد بلع ريقه وقال
طنط فيكتوريا!
دانيال اتصدم.
فيكتوريا كانت أخته، وأقرب شخص ليه من يوم وفاة سارة. هي اللي كانت بتساعده في شؤون البيت، وبتتابع احتياجات الأولاد لما يكون في الشغل.
كان بيثق فيها ثقة كبيرة، لدرجة إنه سلّمها مفاتيح بعض الغرف المقفولة.
إنتوا متأكدين إنكم شفتوها؟
التلاتة هزّوا راسهم.
الولد التاني كمل
سمعناها بتقول في التليفون إن الورقة لازم تفضل مستخبية، وإنك لو قريتها ممكن كل حاجة تتغيّر.
دانيال حسّ إن قلبه بيدق بسرعة.
وبعد كده حصل إيه؟
الولد التالت ردّ
لما خرجت من الأوضة، شافتنا. قالت لنا إننا لو حكينا لأي حد، مش هتخلينا ندخل أوضة ماما تاني أبدًا!
ماري بصّت لدانيال، وبعدها سألت الولاد
وعشان كده بدأتوا تعملوا المشاكل للمربيات؟
الولد الأكبر نكس راسه.
في الأول كنا عايزين بابا يفضل في البيت. وبعدين لما لقينا إن كل مربية بتمشي، بابا بيقعد معانا شوية عشان يدور على واحدة جديدة… افتكرنا إن دي الطريقة الوحيدة اللي تخليه مايسافرش بشغله كل يوم.
سكت لحظة، وبعدين أضاف بصوت مكسور
بس لما طنط فيكتوريا دخلت أوضة ماما، خفنا. حاولنا نقول للمربيات، بس محدش كان بيصدقنا. ولما كنا بنحكي لبابا، كان بيقول إننا بنتخيل حاجات.
دانيال غمّض عينيه.
كان موجوع من اللي سمعه، لكن في نفس الوقت فهم إن اعتذاره لوحده مش هيصلّح كل حاجة.
بصّ لولاده وقال
أنا آسف إني ما سمعتكوش كويس. بس من النهارده، مش هتحتاجوا تكسّروا حاجة أو تخوّفوا حد عشان ألفت نظري. اتفقنا؟
التلاتة هزّوا راسهم، وماري ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكن اللحظة دي ما استمرتش طويلًا.
فجأة، سمعوا صوت كعب جزمة جاي من الممر، وبعده صوت ست بتقول
دانيال؟ إنت هنا؟ أنا كنت بدوّر عليك!
كانت فيكتوريا.
دخلت الصالون وهي شايلة حقيبة جلد صغيرة، وأول ما شافت العلبة الخشب مفتوحة على الترابيزة، وقفت مكانها.
ابتسامتها اختفت.
وبصّت للرسالة اللي في إيد أخوها، وبعدها رفعت عينيها له ببطء.
إنت فتحت العلبة دي؟!
دانيال قام، وصوته كان هادي بشكل مخيف.
أيوه. وعايز أعرف ليه كنتِ في أوضة سارة، وليه ولادي سمعوكي بتتكلمي عن رسالة لازم تفضل مستخبية.
فيكتوريا حطّت الحقيبة على الكنبة، وحاولت تضحك.
إنت مصدق كلام عيال عندهم خمس سنين؟! إنت عارف إنهم بيخترعوا قصص طول الوقت!
لكن المرة دي، دانيال ما ردّش بنفس الطريقة القديمة.
أنا مش هحكم على كلامهم قبل ما أسمعك. عايز إجابة واضحة.
فيكتوريا بصّت لماري، وكأنها بتحاول تفهم مين الست الجديدة اللي واقفة وسط المشهد ده كله.
وإنتِ مين أصلًا؟ وإيه اللي دخّلك في موضوع عائلي؟
ماري ردّت بهدوء
أنا المربية الجديدة، وشغلي إني أحافظ على سلامة الأطفال وأساعدهم يتعلموا يتصرفوا بطريقة صح.
فيكتوريا سخرت منها
واضح إنك لسه ما تعرفيش حاجة عن العيلة دي!
ماري ما ردّتش على استفزازها.
لكن دانيال مدّ إيده بالرسالة وقال
قبل ما نتكلم عن أي حاجة تانية، عايزك تسمعي اللي مكتوب هنا.
وبدأ يقرأ بصوت مسموع
إلى دانيال، لو وصلت لك الرسالة دي، فمعنى كده إنك أخيرًا فتحت العلبة اللي طلبت منك تحافظ عليها…
فيكتوريا اتحركت فجأة ناحية الترابيزة، ومدّت إيدها عشان تاخد الورقة.
لكن دانيال رجع خطوة لورا، وبصّ لها بذهول.
إنتِ عارفة الرسالة بتقول إيه؟!
فيكتوريا سحبت إيدها بسرعة، ووشها اتغيّر.
ولأول مرة من سنين، دانيال شاف أخته مش عارفة ترد.
وبعدين قالت بصوت منخفض
دانيال، فيه حاجات عن سارة إنت ما تعرفهاش… وأنا كنت بحاول أحميك منها.
دانيال حسّ ببرودة تسري في جسمه.
تحميني من إيه؟! مراتي ماتت، وأولادي محتاجين يفهموا اللي بيحصل. إيه اللي مخبياه عني؟!
فيكتوريا بصّت للولاد، وبعدها لماري، واترددت طويلًا.
وأخيرًا قالت
قبل ما تقرأ باقي الرسالة، لازم تعرف إن سارة طلبت مني وعدًا قبل وفاتها… وعدًا أقسمت إني ما أكشفوش لأي حد إلا لو جه اليوم اللي إنت فيه مستعد تسمع الحقيقة.
دانيال قبض على الورقة بقوة.
والحقيقة دي إيه؟
فيكتوريا فتحت حقيبتها الجلدية، وطلعت منها ظرفًا أبيض قديمًا، عليه اسم دانيال بخط سارة.
حطّته على الترابيزة، وقالت
الرسالة اللي في إيدك مش الرسالة الوحيدة اللي سابتهالك سارة.
دانيال بصّ للظرف، ولاحظ إن طرفه كان مفتوحًا من قبل.
لكن قبل ما يمد إيده وياخده، فيكتوريا قالت جملة خلّت ماري نفسها تتغيّر ملامحها
سارة كتبت الرسالة دي قبل وفاتها بأيام، وكانت عايزة تطلب منك حاجة واحدة… حاجة لو كنت وافقت عليها وقتها، كان ممكن كل اللي حصل في البيت ده يتغيّر!
دانيال مدّ إيده ناحية الظرف، لكن فيكتوريا مسكته للحظة وقالت
استنى… فيه جزء من الحقيقة لازم تسمعه مني الأول.
وبصّت له بعينين مليانين دموع، وهمست
أنا كنت موجودة يوم سارة طلبت مني أخبّي الرسالة… لكن السبب الحقيقي مش اللي إنت متخيله!
يا ترى إيه الوعد اللي سارة أخدتْه على فيكتوريا؟ وليه الرسالة التانية اتخبّت كل السنين دي؟
يتبع…
دانيال فضّل باصص للصورة، وإيده بتترعش، كأنه خايف يصدق اللي عينيه شايفاه.
ماري قربت منه وسألته
مين الشخص ده؟ وإيه اللي يخليك مصدوم بالشكل ده؟
دانيال حط الصورة على المكتب، وقال بصوت واطي
اسمه يوسف… كان محامي العيلة من سنين، وهو اللي ساعدني أرتّب كل أملاكي بعد ما اتولدت التلاتة. لكن من حوالي ست سنين، حصل خلاف كبير بينا، ومن وقتها ما شفتوش تاني.
ماري بصّت للصورة مرة تانية.
طيب، إيه اللي جابه لسارة في نفس اليوم اللي كتبت فيه الرسالة؟
دانيال هزّ راسه بحيرة.
مش عارف… ودي أكتر حاجة مخوفاني.
نزل بسرعة للصالة، وكانت فيكتوريا لسه واقفة جنب الكنبة، بتراقب الولاد اللي قاعدين جنب ماري.
أول ما شافته، قالت
دانيال، أرجوك اسمعني قبل ما تاخد أي قرار!
رفع الصورة قدامها وسألها
يوسف كان هنا يوم وفاة سارة؟
فيكتوريا شهقت، وبصّت للصورة كأنها شافت شبحًا.
إنت لقيت الصورة دي فين؟!
جاوبي على سؤالي!
فيكتوريا قعدت ببطء، وحطت إيديها على وشها.
أيوه، يوسف جه البيت قبل وفاة سارة بأيام. هي اللي طلبت منه ييجي، وكانت عايزة تتكلم معاه في موضوع مهم.
دانيال قرب منها.
موضوع إيه؟
كانت عايزة تضمن إن مستقبل الأولاد يبقى آمن، مهما حصل لها. كانت خايفة إنك بعد وفاتها تغرق نفسك في الشغل أكتر، وتنسى إنك محتاج تكون موجود في حياتهم.
دانيال اتنهد بألم.
يعني حتى وهي تعبانة، كانت شايلة همّنا كلنا!
فيكتوريا هزّت راسها، وعينيها مليانة دموع.
سارة كانت بتفكر فيكم أكتر من نفسها.
وبعدين سكتت شوية، قبل ما تضيف
لكن يوسف ما جاش عشان الأوراق وبس. سارة طلبت منه يحتفظ بحاجة مهمة،




