
3
3 شهور حكايات زيزى
وقالت له ما يسلمهاش ليك إلا لما تكون مستعد تسمع كلامها من غير ما تهرب منه للشغل.
دانيال بصّ لها بذهول.
وإنتِ وافقتِ تساعديها تخبي عني الموضوع ده؟
وافقت، لأني وعدتها. لكن بعد وفاتها، خفت إنك تفهم الموضوع غلط، خصوصًا إنك كنت رافض تسمع أي كلام عن مستقبلك من غيرها.
ماري تدخلت بهدوء
طيب، إحنا مش هنقدر نعرف الحقيقة كاملة من غير ما نعرف إيه الحاجة اللي سارة سابتها عند يوسف.
دانيال هزّ راسه، وطلع تليفونه.
كان محتفظًا برقم يوسف القديم، رغم السنين اللي عدّت.
اتصل مرة.
محدش رد.
اتصل تاني، وبعد لحظات سمع صوت راجل على الطرف التاني
ألو؟
دانيال اتكلم بسرعة
يوسف، أنا دانيال. لازم أشوفك النهارده.
سكت يوسف شوية، وبعدين قال بصوت جاد
كنت مستني المكالمة دي من زمان.
دانيال اتجمد مكانه.
كنت مستني مكالمتي ليه؟
يوسف ردّ
لأن سارة طلبت مني ما أتواصلش معاك إلا لما إنت بنفسك تدور على الحقيقة. ولو بتكلمني عشان لقيت الرسالة، يبقى الوقت جه.
دانيال قبض على التليفون بقوة.
عندك حاجة تخص مراتي؟
عندي حاجة سارة ائتمنتني عليها، وطلبت مني أحافظ عليها لحد ما تيجي بنفسك.
إيه هي؟
يوسف سكت لحظة، وبعدين قال
مش هقدر أشرح لك في التليفون. تعال مكتبي بكرة الصبح، وهتفهم كل حاجة.
دانيال رفض الانتظار.
لأ، أنا محتاج أعرف دلوقتي!
يوسف ردّ بحزم
يا دانيال، فيه أمور لو عرفتها وإنت لسه مصدوم، ممكن تفهمها بطريقة غلط. أنا هقابلك بكرة، لكن فيه حاجة واحدة لازم أقولها لك من دلوقتي.
دانيال حبس أنفاسه.
قول.
يوسف قال ببطء
سارة ما كانتش عايزة تسيب لك فلوس أو أملاك زيادة… هي كانت عايزة تضمن إن أولادها الثلاثة ما يتفرقوش مهما حصل.
دانيال بصّ ناحية ولاده، اللي كانوا قاعدين جنب ماري، وبعدين سأل
يعني إيه ما يتفرقوش؟! مين قال إنهم ممكن يتفرقوا أصلًا؟!
لكن يوسف أنهى المكالمة بعد ما وعده إنه هيشرح له كل شيء في المقابلة.
دانيال وقف مكانه، مش قادر يستوعب الجملة.
ماري لاحظت قلقه، فقالت
يمكن فيه تفاصيل تخص ترتيبات العيلة أو رعاية الأطفال. خلينا نسمع منه الأول قبل ما نفترض أي حاجة.
دانيال هزّ راسه، لكنه كان حاسس إن فيه جزءًا مهمًا من القصة لسه مستخبي.
وفي اللحظة دي، الولد الأكبر قرب منه وسأله
بابا، هو إحنا ممكن نتفرق عن بعض؟
دانيال نزل على ركبته، وضمّ أولاده التلاتة.
لأ يا حبايبي، محدش هيفرقكم عن بعض. وأنا مش هسمح إنكم تحسوا بالخوف ده تاني.
لكن الولد الأصغر رفع راسه وقال جملة خلّت دانيال يبصّ له بتركيز شديد
طب يا بابا، ليه طنط فيكتوريا قالت لنا من كام يوم إننا ممكن نعيش في بيوت مختلفة لو إنت فضلت مشغول؟
دانيال رفع عينيه ناحية أخته.
فيكتوريا اتلخبطت، وقالت بسرعة
أنا ما قلتش كده بالطريقة اللي هو فاهمها!
ماري سألتها بهدوء
طيب، إنتِ قلتي لهم إيه بالظبط؟
فيكتوريا سكتت طويلًا، وبعدين اعترفت
كنت بحاول أخوفهم عشان يبطلوا المشاكل. قلت لهم إن لو استمروا في طرد المربيات، ممكن نضطر نطلب مساعدة متخصصين في رعاية الأطفال، وإنهم ممكن يحتاجوا يقضوا وقتًا في أماكن مختلفة لو الوضع بقى خطرًا.
دانيال بصّ لها بغضب.
إنتِ خوّفتيهم من إنهم يتفرقوا عن بعض؟! دول أطفال عندهم خمس سنين!
فيكتوريا ردّت وهي بتعيط
أنا كنت بحاول أساعدك! كنت بشوفك بتنهار، والبيت كله بقى فوضى، وماكنتش عارفة أتصرف إزاي!
ماري تدخلت
يمكن كنتِ بتحاولي تساعدي، لكن تخويف الأطفال مش هيحل المشكلة. هما محتاجين يحسوا بالأمان، وفي نفس الوقت لازم يتعلموا إن إيذاء الناس وتكسير الحاجات تصرفات غير مقبولة.
دانيال بصّ لأولاده، وفهم أخيرًا إن جزءًا كبيرًا من تصرفاتهم كان نابعًا من خوفهم، حتى لو ده ما يبررش اللي عملوه.
قرر إنه مش هيكتفي بالوعود، وإنه هيغيّر نظام حياته فعلًا، ويطلب مساعدة متخصصة لو احتاج.
لكن قبل ما اليوم ينتهي، رنّ تليفونه برسالة من رقم يوسف.
فتحها، فلقى صورة لمستند قديم، وتحتها جملة واحدة
قبل ما تيجي بكرة، راجع الملف اللي لقيته في درج مكتبك، وبالتحديد آخر صفحة.
دانيال جري ناحية المكتب، وفتح الملف البني مرة تانية.
قلّب الأوراق لحد ما وصل لآخر صفحة، ولما قرأ السطور المكتوبة فيها، وشه شحب.
كان فيه بند واضح، مكتوب وموقّع قبل وفاة سارة، متعلق بمستقبل الأطفال ورعايتهم لو الأب ما قدرش يقوم بمسؤولياته لفترة طويلة.
لكن اللي صدمه فعلًا ماكانش البند نفسه…
كان اسم الشخص اللي سارة اختارته ليكون المسؤول عن مساعدة أولادها في الظروف الصعبة.
دانيال همس بالاسم، وبعدين رفع راسه ناحية ماري، اللي كانت واقفة عند الباب.
ماري… إنتِ قلتي لي إن خبرتك في شغل العائلات الغنية قليلة، صح؟
ماري استغربت السؤال.
أيوه، حضرتك عارف ده من أول يوم.
دانيال أشار للورقة، وصوته بقى مرتعش
طيب، إزاي اسمك موجود في الملف ده من قبل ما تيجي القصر أصلًا؟!
يتبع…
دانيال سحب الظرف من إيد أخته، وقال بعصبية مكتومة
كفاية أسرار يا فيكتوريا! مراتي ماتت من شهور، وأنا بقالي كل الفترة دي بحاول أفهم إزاي أكمل حياتي من غيرها. ودلوقتي اكتشف إن فيه رسائل مستخبية عني في بيتي! عايز أفهم كل حاجة، حالًا!
فيكتوريا نزلت عينيها للأرض، وقعدت على الكنبة، وكأنها فجأة بقت مش قادرة تشيل الحمل اللي شايلَاه لوحدها.
أما التلاتة، فكانوا واقفين جنب ماري، بيتابعوا كل كلمة بخوف.
ماري لاحظت إن الولد اللي كان بيعمل المشاكل أكتر من إخوته بدأ يمسك في هدومها، فحطّت إيدها على كتفه تطمّنه.
وبعدين قالت لدانيال
افتح الظرف يا أستاذ دانيال. مهما كانت الحقيقة، من حقك تعرفها.
دانيال فتح الظرف بحذر، وطلع منه ورقتين وصورة صغيرة.
أول ما شاف الصورة، إيده ارتعشت!
كانت صورة ليه هو وسارة والتلاتة، قاعدين في الحديقة، بيضحكوا من قلبهم. صورة قديمة من أيام ما كان البيت مليان حياة، قبل ما المرض ياخد سارة منهم.
قلب الصورة، فلقى جملة مكتوبة بخط إيدها
دانيال، لو وصلت لك الصورة دي، أتمنى تكون لسه فاكر الوعد اللي وعدتني بيه.
دانيال فضّل باصص للجملة، محاولًا يفتكر.
وبعد ثواني، بدأ يقرأ الورقة الأولى.
حبيبي دانيال،
أنا عارفة إنك بتحاول تعمل كل اللي تقدر عليه عشان تأمّن مستقبل ولادنا. وعارفة إنك بتشتغل كتير لأنك خايف عليهم من بكرة.
لكن فيه حاجة لازم تفهمها…
الأطفال مش محتاجين أب يقدر يشتري لهم العالم كله، قد ما محتاجين أب يحسّسهم إنهم أهم حاجة في العالم بالنسبة له.
أنا مش بطلب منك تسيب شغلك، ولا تتخلى عن مسؤولياتك. أنا بس بطلب منك ما تخليش خوفك من المستقبل يسرق منك الحاضر اللي عايشه معاهم.
دانيال وقف عن القراءة، ودموعه نزلت على الورقة.
كان فاكر إنه لما يوفر لولاده كل حاجة، هيقدر يعوّضهم عن غياب أمهم.
لكنه بدأ يدرك إنه كان بيحاول يعوّض غياب سارة بالفلوس، بدل ما يواجه وجعه ويكون موجود معاهم.
كمّل القراءة.
ولو لقيت نفسك يومًا مش عارف تتعامل معاهم، افتكر إنهم لسه صغيرين، وإنهم مش هيعرفوا يقولوا لك كل اللي جواهم.
اسمعهم حتى لو كلامهم صعب، وخليك جنبهم حتى لو مش عارف تصلّح كل حاجة.
دانيال بصّ ناحية ولاده.
التلاتة كانوا بيعيطوا في صمت.
مدّ إيده ليهم، فجريوا عليه، وحضنوه بقوة.
أنا آسف يا حبايبي… آسف إني ماخدتش بالي منكم.
الولد الأكبر رفع راسه من حضنه وسأله
يعني مش هتمشي الشغل تاني وتسيبنا لوحدنا كل يوم؟
دانيال مسح دموعه، وقال
شغلي مهم، بس إنتوا أهم. وهنرتّب حياتنا بطريقة تخليني أقضي معاكم وقت حقيقي كل يوم. ومش هسيبكم تحسّوا إنكم لوحدكم تاني.
ماري ابتسمت، لكن عينيها راحت ناحية فيكتوريا، اللي كانت لسه قاعدة في مكانها، ووشها مليان حزن.
دانيال رجع للرسالة وسأل أخته
طيب، ليه خبّيتي الكلام ده عني؟ الرسالة واضحة، ومفيهاش أي حاجة تستدعي كل الخوف ده!
فيكتوريا رفعت عينيها، وقالت
لأن الرسالة دي مش هي اللي كنت خايفة منها يا دانيال.
وبعدين أشارت للورقة التانية اللي لسه ما قراهاش.
الجزء ده هو اللي خلاني أوعد سارة إني ما أتكلمش غير لما تكون مستعد.
دانيال فتح الورقة التانية.
كانت أقصر من الأولى، لكن أول سطر فيها خلّاه يرفع راسه بسرعة.
دانيال، فيه قرار أخدته لوحدي، وكنت أتمنى أقدر أحكيه لك قبل ما أمشي…
سكت دانيال، وقرأ السطر مرة تانية.
قرار إيه؟!
فيكتوريا مسحت دموعها وقالت
سارة كانت بتحاول ترتّب حاجة تخص مستقبل الولاد، وكانت عايزة تتأكد إنك هتكون موجود معاهم لو حصل لها أي حاجة.
دانيال عقد حاجبيه.
يعني إيه؟ هي كانت عارفة إن حالتها خطيرة؟
فيكتوريا هزّت راسها ببطء.
كانت خايفة، آه. لكنها ما كانتش عايزة تخوّفك أو تخلي كل يوم من أيامها الأخيرة يتحول لقلق وحزن.
دانيال بصّ للورقة، وبدأ يكمل القراءة.
لكن قبل ما يوصل لنهاية الرسالة، اكتشف إن فيه جزءًا من الورقة مقطوعًا!
بصّ لأخته بصدمة.
فين باقي الرسالة؟!
فيكتوريا ما ردّتش.
دانيال قام من مكانه، وقال بصوت أعلى
فيكتوريا، أنا بسألك! فين باقي الرسالة؟!
في اللحظة دي، ماري لاحظت إن الولد الأصغر بيبص ناحية حقيبة أخته، وكأنه افتكر حاجة مهمة.
قرب من أبوه، وشدّه من إيده.
بابا، أنا فاكر حاجة!
دانيال نزل لمستواه وسأله
إيه يا حبيبي؟
الولد أشار ناحية الحقيبة وقال
يوم ما شفنا طنط فيكتوريا في أوضة ماما، كانت شايلة ورقة شبه دي، وبعدها خبّتها في درج المكتب اللي فوق!
فيكتوريا قامت بسرعة.
إنت فاكر غلط!
لكن الولد هزّ راسه بإصرار.
لأ، أنا فاكر! إنتِ قلتي في التليفون إن محدش لازم يشوف الورقة التانية!
دانيال بصّ لأخته، وبعدها بصّ لماري.
وبدون ما يقول كلمة، اتحرك ناحية السلم.
فيكتوريا نادته
دانيال، استنى! لو طلعت دلوقتي، لازم تسمعني للآخر!
لكنه ما وقفش.
طلع السلم، وفتح باب مكتبه، وراح ناحية الدرج اللي ولاده وصفوه.
فتح الدرج الأول، ثم التاني، ولما وصل للدرج الأخير، اكتشف إنه مقفول بمفتاح صغير.
رجع لمكتبه، وفتح درج جانبي كان بيحتفظ فيه بالمفاتيح القديمة.
وبعد محاولتين، انفتح الدرج.
جواه كان فيه ملف بني قديم، وفوقه ورقة مطوية مكتوب عليها اسمه.
فتحها، وبدأ يقرأ.
وبعد لحظات، رجع لورا على الكرسي، وشه شاحب تمامًا.
لأن الورقة ما كانتش رسالة عادية من سارة…
كانت مستندًا يثبت إن مراته رتّبت أمرًا مهمًا لمستقبل أطفالها قبل وفاتها، وإن فيكتوريا كانت تعرف بالموضوع من البداية!
دانيال نزل الورقة ببطء، وهمس لنفسه
يا إلهي… إزاي ماعرفتش ده كله؟!
وفي اللحظة نفسها، سمع صوت ماري من عند الباب
أستاذ دانيال، الولاد محتاجينك تحت. لكن قبل ما تنزل، لازم تعرف إن فيه حاجة تانية اكتشفتها وأنا بتكلم معاهم…
لفّ ناحيتها.
ماري كانت ماسكة صورة صغيرة وجدتها داخل العلبة الخشب.
بصّت للصورة، ثم قالت
الصورة دي فيها شخص رابع كان موجود مع سارة والولاد في اليوم اللي اتصورت فيه… لكن الولاد بيأكدوا إنهم عمرهم ما شافوا الشخص ده قبل كده!
دانيال أخذ الصورة من إيدها، وبمجرد ما




